Showing posts with label جيل دولوز. Show all posts
Showing posts with label جيل دولوز. Show all posts

Wednesday, January 28, 2015

ما هو العمل الإبداعي؛ جيل دولوز

ترجمة: سماح جعفر




* الجزء الثاني والأخير


يمكن أن تعتبر أنك تمتلك فكرة سينمائية بمجرد أن تدمجها في العملية السينمائية. فيصبح بإمكانك أن تقول، "لدي فكرة" حتى لو اقترضتها من دوستويفسكي.

الفكرة هي أمر بسيط جدًا. إنها ليست مفهومًا؛ إنها ليست فلسفة. حتى لو كان بإمكان المرء أن يرسم مفهومًا من كل فكرة. أفكر الآن في مينيلي، الذي كانت لديه فكرة خارقة حول الأحلام. إنها فكرة بسيطة - يمكن قولها - ويمكن دمجها في العملية السينمائية داخل عمل مينيلي. فكرة مينيلي الكبيرة حول الأحلام هي أن أحلام الجميع يجب أن تتعلق بأولئك الذين لا يحلمون. أحلام أولئك الذين يحلمون يجب أن تشمل أولئك الذين لا يحلمون. لمَ يجب أن تتعلق بهم؟ لأنه بمجرد أن يحلم شخص ما، يصبح هناك خطر. أحلام الآخرين ترهب وتهدد دومًا بإبادتنا. ما يحلم به الآخرين أمر خطير للغاية. الأحلام هي إرادة مرعبة للسلطة. كل واحد منا هو ضحية بشكل ما لأحلام الآخرين. حتى المرأة الشابة الأكثر كياسة هي مخربة مروعة، ليس بسبب روحها، ولكن بسبب أحلامها. حذار من أحلام الآخرين، لأنك لو انجرفت في أحلامهم فقد انتهى أمرك.

فكرة سينمائية، على سبيل المثال، هي التفكيك الشهير للرؤية والكلام في الأفلام الحديثة نسبيًا، سواء - أخذنا الأكثر معرفة- سايبربيرغ، ستراوب، أو مارغريت دوراس. ما القواسم المشتركة التي تجمع بينهم، وكيف أن فكرة فصل الصوت عن الرؤية هي فكرة السينمائية؟ لمَ لا يمكن أن يتم ذلك في المسرح؟ يمكن أن يتم ذلك، ولكن إذا نُفذ في المسرح، دون أي استثناء، ووجد المسرح وسيلة للقيام به، يمكن للمرء أن يقول أن المسرح اقترض الفكرة من فيلم. هذا ليس بالضرورة أمرًا سيئًا، ولكن فكرة فصل الصوت عن الرؤية هي فكرة سينمائية، والنظر عن التحدث، سيكون هذا الأمر بمثابة استجابة مثالية لما عليه الفكرة في السينما.

صوت يتحدث عن شيء ما. شخص ما يتحدث عن شيء. في نفس الوقت، نرى شيئًا آخر. وأخيرًا، ما يتحدثون عنه أسفل ما نراه. هذه النقطة الثالثة هامة جدًا. يمكنك أن ترى كيف أن المسرح لا يمكن أن يكون جزءً من هذا الأمر. المسرح يمكن أن يأخذ المقترحين الأولين: شخص ما يقول لنا شيئًا ما، ويروننا شيئًا آخر. ولكن وجود ما يخبرنا به شخص ما في نفس الوقت تحت ما نراه- هو أمر ضروري، وإلا فإن المقترحين الأولين يصبحان دون معنى وغير ذي أهمية. يمكننا أن نضع الأمر بطريقة أخرى: الكلمات ترتفع في الهواء بينما الأرضية التي نراها تسقط للأسفل أكثر. أو بينما ترتفع هذه الكلمات في الهواء، ما يتحدثون عنه يسقط إلى الأسفل.

ما هو هذا الأمر إذا كانت السينما وحدها تستطيع فعله؟ أنا لا أقول أنها يجب أن تقوم به، لمجرد أنها فعلته مرتين أو ثلاث مرات. أستطيع أن أقول ببساطة أن صانع أفلام عظيم لديه هذه الفكرة. هذه الفكرة السينمائية. هذا استثنائي لأنه يضمن تحولًا حقيقيًا للعناصر على مستوى السينما، دورة تجعل السينما يتردد صداها فجأة مع الفيزياء النوعية للعناصر. وتنتج نوعًا من التحول، التداول الواسع للعناصر في السينما يبدأ من الهواء والأرض والماء والنار. كل شيء أقوله لا يلغي تاريخ السينما. لأن تاريخ السينما لا يزال هناك، ولكن ما يضربنا هو لمَ هذا التاريخ مثير للاهتمام، ما لم يكن ذلك لأنه يحتوي على كل هذا الأشياء خلفه ومعه. في الدورة التي حددتها للتو -الصوت يرتفع بينما ما يتحدث عنه الصوت يسقط للأسفل- ربما ميزت معظم أفلام ستراوب، الدورة الكبيرة للعناصر في عمله. نرى فقط الأرض المهجورة، ولكن هذه الأرض المهجورة تبدو ثقيلة بما يرقد تحتها. قد تسأل: كيف لنا أن نعرف ما يرقد تحتها؟ هذا هو بالضبط ما يقوله لنا الصوت. بينما ترزح الأرض تحت ما يقوله لنا الصوت؛ أنه ذلك الذي أتى ليأخذ مكانه تحت الأرض عندما يصبح جاهزًا. إذا كان الصوت يتحدث إلينا عن الجثث، عن سلالة الجثث التي أتت لتأخذ مكانها تحت الأرض في تلك اللحظة، ثم أتى الهمس الطفيف للرياح على الأرض المهجورة، على المساحة الفارغة التي أمام عينيك، أصغر تجويف في هذه الأرض سيأخذ في الحسبان.

أنا أعتبر أن امتلاك فكرة، حول أي موضوع، ليست لأجل التواصل. هذه هي النقطة التي كنت أهدف إليها. كل شيء نتحدث عنه غير قابل للاختزال في أي تواصل. هذه ليست مشكلة. ماذا يعني ذلك؟ في المقام الأول، التواصل هو نقل ونشر المعلومة. ما هي المعلومة؟ أنها ليست أمرًا معقدًا للغاية، الجميع يعرف ما هي. المعلومة هي مجموعة ضرورات، شعارات، اتجاهات أوامر- كلمات. عندما يتم إعلامك، فالقصد هو إخبارك بما يريدونك أن تصدق. وبعبارة أخرى، الإعلام يعني نشر أوامر-كلمات.

تصريحات الشرطة يطلق عليها بلاغات. يتم إيصال المعلومة لنا، يقولون لنا ما يفترض أن نكون على استعداد له، أو ما يجب أن نفعله، أو ما يجب أن نؤمن به. ليس الإيمان حتى، ولكن مجرد التظاهر بأننا نؤمن. لا يطلبون منا أن نؤمن بل أن نتصرف كما لو أننا نفعل. هذه هي المعلومة، التواصل. وخارج هذه الأوامر وانتقالها، لا توجد أي معلومة، أي تواصل. إنه هو نفس الشيء حين نقول أن المعلومة هي بالضبط نظام للرقابة. إنه أمر واضح ويهمنا جميعًا اليوم.

أننا ندخل مجتمعًا يمكن أن نسميه مجتمعًا انضباطيًا. مفكر كميشيل فوكو حلل نوعين من المجتمعات القريبة نسبيًا لمجتمعنا. دعا أحدها المجتمع السيادي والآخر المجتمع التأديبي. كان لديه الممر النموذجي من المجتمع السيادي إلى التأديبي متطابقًا مع نابليون. المجتمع التأديبي تم تعريفه -تحليل فوكو ظل شهيرًا، وصحيحًا- عن طريق إنشاء مناطق الحبس: السجون، المدارس، ورش العمل، المستشفيات. المجتمعات التأديبية احتاجت لوجودهم. تحليله أدى إلى تأويلات ملتبسة لبعض القراء لأنهم اعتقدوا أنها كانت كلمته النهائية. من الواضح أنها لم تكن. فوكو لم يؤمن بذلك المجتمع وقال بشكل واضح أن المجتمعات التأديبية ليست أبدية. لقد اعتقد بوضوح أننا كنا ندخل نوعًا جديدًا من المجتمعات. كانت هناك، بالطبع، مجتمعات تأديبية مختلفة على مر السنوات، ولكننا نعرف بالفعل أننا الآن في مجتمعات من نوع مختلف والتي ينبغي أن تسمى، باستخدام مصطلح بوروز -لدى فوكو اعجاب شديد ببوروز- المجتمعات الانضباطية. نحن ندخل المجتمعات النضباطية التي تم تعريفها بطريقة مختلفة جدًا عن المجتمعات التأديبية. أولئك الذين يقلقون من أن رفاهيتنا لا حاجة لها لفترة أطول، أو أننا لم نعد بحاجة إلى أماكن الحبس.

لأن السجون، المدارس، المستشفيات هي بالفعل أماكن ناقش دائم. ألن يكون من الأفضل توسيع الزيارات المنزلية من قبل الأطباء؟ نعم، وهذا هو بالتأكيد المستقبل. ورش العمل والمصانع تنفجر في الطبقات. ألن يكون من الأفضل استخدام تعاقدات من الباطن والعمل من المنزل؟ أليست هناك طرق أخرى لمعاقبة الناس غير السجن؟ المجتمعات الانضباطية لن تمر مجددًا خلال أماكن الحبس. حتى المدارس. يجب علينا أن نراقب عن كثب الموضوعات التي ستتطور خلال الأربعين أو الخمسين سنة القادمة. لأنها سوف تشرح كم هو رائع ملاحقة كل من المدرسة والمهنة. سيكون من المثير للاهتمام أن نرى ماذا ستصبح هوية المدارس والمهن مع التدريب المستمر، والذي هو مستقبلنا. لن يتم جمع الأطفال مجددًا في أماكن الحبس. الانضباط ليس تأديبًا. أنت لا تحبس الناس في طريق. ولكن من خلال صنع الطريق، فإنك تضاعف وسائل السيطرة. أنا لا أقول أن هذا هو الهدف الوحيد من الطرق، ولكن يمكن للناس أن يسافروا بلا حدود و"بحرية" دون أن يكونوا محبوسين بينما يتم التحكم بهم تمامًا. هذا هو مستقبلنا.

دعنا نقول أن هذا هو ما تعنيه المعلومات، نظام التحكم بالأمر-الكلمات المستخدم في المجتمع المعطى. ما هي علاقة العمل الفني بذلك؟ دعونا لا نتحدث عن الأعمال الفنية، ولكن دعونا على الأقل نقول أن هناك معلومات مضادة. في زمن هتلر، اليهود القادمين من ألمانيا كانوا أول من أخبرنا عن معسكرات الاعتقال ، كانوا يقدمون معلومات مضادة. يجب علينا أن ندرك أن المعلومات المضادة لم تكن أبدًا كافية لفعل أي شيء. لم تزعج المعلومات المضادة هتلر أبدًا. إلا في حالة واحدة. أي حالة؟ هذا ما هو مهم. المعلومات المضادة تصبح فعالة حقًا عندما تكون -وهذا في طبيعتها- أو تصبح فعل مقاومة. فعل المقاومة ليس معلومات أو معلومات مضادة. المعلومات المضادة فعالة فقط عندما تصبح فعل مقاومة.

ما العلاقة هناك بين العمل الفني والتواصل؟ لا شيء على الإطلاق. العمل الفني ليس أداة تواصل. العمل الفني ليس له علاقة بالتواصل. العمل الفني لا يحتوي على أقل قدر من المعلومات. في المقابل، هناك تقارب جوهري بين العمل الفني وفعل المقاومة. لأن له علاقة بالمعلومات والتواصل كفعل مقاومة. ما هي هذه العلاقة الغامضة بين العمل الفني وفعل المقاومة بما أن الرجال والنساء الذين يقاومون لا يملكون الوقت ولا الثقافة الضرورية أحيانًا ليكون لهم أدنى اتصال بالفن؟ لا أعرف. طور مالرو مفهومًا فلسفيًا مثيرًا للإعجاب. قال شيئًا بسيطًا جدًا عن الفن. قال أنه الشيء الوحيد الذي يقاوم الموت. دعونا نعود إلى البداية: ما الذي يفعله شخص يمارس الفلسفة؟ يخترع المفاهيم. أعتقد أن هذه بداية مفهوم فلسفي مثير للإعجاب. فكر في ذلك ... ما الذي يقاوم الموت؟ عليك فقط أن تنظر إلى تمثال من ثلاثة آلاف سنة قبل العصر الشائع لترى كم أن استجابة مالرو جميلة. يمكننا حينها القول، من وجهة النظر التي تهمنا، أن الفن يقاوم، حتى لو لم يكن الشيء الوحيد الذي يقاوم. من حيث العلاقة الوثيقة بين فعل المقاومة والعمل الفني. كل فعل مقاومة ليس عملًا فنيًا، وبعد، بطريقة معينة، هو كذلك. وكل عمل فني ليس فعل مقاومة، وبعد، بطريقة معينة، هو كذلك.

لنأخذ حالة ستراوب، على سبيل المثال، عندما يمارس قطع اتصال الصوت بالصورة المرئية. ينفذ الأمر على النحو التالي: الصوت يرتفع، يرتفع، يرتفع وما يتحدث عنه يعبر إلى الأرض المهجورة المجردة التي تظهرها لنا الصورة المرئية، صورة مرئية ليس لها علاقة بالصورة الصوتية. ما هو هذا الفعل الخطابي الذي يرتفع في الهواء بينما يمر موضوعه تحت الأرض؟ المقاومة. فعل المقاومة. وفي كل أعمال ستراوب، الفعل الخطابي هو فعل مقاومة. من موسى إلى كافكا الأخير بما في ذلك-أنا لا أضعهم بالترتيب- غير المتوافق أو باخ. الفعل الخطابي لباخ هو أن موسيقاه فعل مقاومة، نضال فعال ضد الفصل بين المدنس والمقدس. فعل  المقاومة هذا ينتهي في الموسيقى بالصراخ. مثلما هناك صراخ في ووزيك، هناك صراخ في باخ: "أخرج! أخرج! اذهب للخارج! لا أريد أن أراك!!!!" عندما وضع ستراوب تشديدًا على هذه الصرخة، على صرخة باخ، أو صراخ النساء العجائز الانفصاميات في غير المتوافق، فإن ذلك يجب أن يحسب كجانب مزدوج. فعل المقاومة له وجهان. أنه بشري وهو أيضًا فعل فن. فقط فعل المقاومة يقاوم الموت، إما على شكل عمل فني أو نضال إنساني.


ما العلاقة بين النضال الإنساني والعمل الفني؟ هي العلاقة الأقرب والأكثر غموضًا بالنسبة لي. هذا بالضبط ما عناه بول كلي، عندما قال: "أتعرف، الناس مفقودين". الناس مفقودين، وفي الوقت نفسه، ليسوا مفقودين. الناس مفقودين تعني أن التقارب الجوهري بين العمل الفني والناس الذين لا وجود لهم حتى الآن لن يكون واضحًا. لا يوجد أي عمل فني لا يناقش الناس الذين لا وجود لهم حتى الآن.




*عدل بواسطة ديفيد لابوجيد، ترجمه إلى الإنجليزية أميس هودجز ومايك تاورمينا




Wednesday, December 24, 2014

ما هو العمل الإبداعي؛ جيل دولوز

ترجمة: سماح جعفر




الجزء الأول*




كما أود أن أسأل بعض الأسئلة الخاصة بي. أسألك القليل وأسأل نفسي القليل أيضًا. وستكون من نوع: ماذا تفعل بالضبط، عندما تصنع سينما؟ وماذا أفعل عندما أصنع أو آمل في صنع فلسفة؟


بإمكاني أن أطرح السؤال بطريقة مختلفة. ماذا يعني لك امتلاك فكرة في السينما؟ إذا أراد أحد أن يصنع سينما، ماذا يعني له امتلاك فكرة؟ ماذا يحدث عندما تقول: "مهلًا، لدي فكرة" لأنه، من جهة، الجميع يعرف أن امتلاك فكرة هو حدثٌ نادر، بل هو نوع من الاحتفال، وليس شائعًا جدًا. وبعد، من ناحية أخرى، امتلاك فكرة ليس شيئًا عامًا. لا أحد لديه فكرة بشكل عام. الفكرة- كالشخص الذي لديه فكرة - مكرسة بالفعل لحقل معين. أحيانًا تكون فكرة في الرسم، أو فكرة في الرواية، أو فكرة في الفلسفة أو فكرة في مجال العلوم. وبالطبع فإن نفس الشخص لا يمكن أن يمتلك كل تلك الأفكار. يجب أن تعامل الأفكار كإمكانات مشتركة بالفعل في صيغة واحدة للتعبير، وكجزء لا يتجزأ عن طريقة التعبير، بحيث لا أستطيع أن أقول أن لدي فكرة بشكل عام. اعتمادًا على التقنيات التي أنا على دراية بها، يمكن أن تكون لدي فكرة في مجال معين، فكرة في السينما أو فكرة في الفلسفة.


سوف أعود إلى مبدأ أني أصنع الفلسفة وأنك تصنع السينما. بمجرد تسوية هذا الأمر، سيكون من السهل للغاية القول أنه بما أن الفلسفة مستعدة للتفكير في أي شيء، لمَ لا يمكنها التفكير في السينما؟ سؤال غبي. الفلسفة لم تصنع للتفكير في أي شيء. معاملة الفلسفة كقوة "للتفكير" تبدو وكأنها تعطيها أهمية كبرى، لكنها في الواقع تأخذ كل شيء بعيدًا عنها. لا يحتاج المرء الفلسفة للتفكير. الناس الوحيدون القادرون على التفكير بشكل فعال في السينما هم السينمائيون والنقاد أو أولئك الذين يحبون السينما. هؤلاء الناس لا يحتاجون الفلسفة للتفكير في الفيلم. فكرة أن علماء الرياضيات يحتاجون للفلسفة للتفكير في الرياضيات كوميدية. إذا توجب استخدام الفلسفة في التفكير في شيء، فلن يكون هناك سبب لوجودها. لو وجدت الفلسفة، فذلك لأنها تملك محتواها الخاص.


الأمر في غاية البساطة: الفلسفة هي انضباط مبتكر تمامًا، خلاق تمامًا كما أي انضباط آخر، تتكون من خلق أو ابتكار المفاهيم، المفاهيم لا توجد جاهزة في نعيم سماوي ما بانتظار فيلسوف كي يأتي وينتزعها. المفاهيم يجب أن يتم إنتاجها. بالطبع، لأنه ليس بإمكانك صنعها هكذا. لن تستطيع القول ذات يوم، "مهلًا، أنا ذاهب لابتكار هذا المفهوم،" كما ليس بإمكان الرسام أن يقول "مهلًا، أنا ذاهب لصنع لوحة" أو مخرج، "مهلًا، سأصنع هذا الفيلم! "يجب أن تكون هناك ضرورة، في الفلسفة وغيرها؛ خلاف ذلك لا يوجد شيء. الخالق ليس واعظًا يعمل من أجل متعة. الخالق يفعل فقط ما هو أو هي بحاجة إليه كليًا. ويبقى أن نقول أن هذه الضرورة ─ والتي هي أمر معقد جدًا، إن وجدت ─ تعني أن الفيلسوف (وهنا على الأقل أعرف ما يتعاملون معه) يقترح أن يخترع، أن يخلق مفاهيم وأن لا يتورط في التفكير في شيء آخر، حتى السينما.


أقول أنني أصنع الفلسفة، أنني أحاول ابتكار المفاهيم. إذا سألت، أولئك الذين يصنعون السينما، ماذا تفعلون؟ أنتم لا تخترعون مفاهيمًا - هذا ليس قلقكم - ولكنكم تصنعون كتل من الحركة / المدة. الشخص الذي يصنع كتلة من الحركة / المدة ربما يصنع سينما. ليس لهذا علاقة باستحضار قصة أو رفضها. كل شيء له قصة. الفلسفة أيضًا تروي القصص. قصص مع مفاهيم. السينما تروي قصصًا مع كتل من الحركة / المدة. الرسم يخترع نوعًا مختلفًا تمامًا من الكتلة. فهي ليست كتلًا من المفاهيم أو كتلًا من الحركة / المدة، لكنها كتل من الخطوط / الألوان. الموسيقى تخترع نوعًا آخر من الكتل المحددة بنفس القدر. وإلى جانب كل ذلك، فالعلم لا يقل إبداعًا. ولا أرى الكثير من التعارض بين العلوم والفنون.


إذا سألتُ ماذا يفعل العلماء، فهم أيضًا يخترعون. هم لا يكتشفون - الاكتشاف موجود ولكن لا يمكننا وصف النشاط العلمي على هذا النحو، لأنهم يخلقون بقدر ما يفعل الفنان. الأمر ليس معقدًا، فالعالم هو الشخص الذي يخترع أو يخلق وظائفًا. وهو الوحيد الذي يفعل ذلك. العالم كعالم ليس له علاقة بالمفاهيم. وهذا هو سبب - لحسن الحظ -وجود الفلسفة. هناك، على كل حال، شيء واحد يعرف العالم كيفية القيام به: وهو ابتكار وخلق وظائف. ما هي الوظيفة؟ تحدث الوظيفة عندما يكون هناك تشابه منتظم بين مجموعتين على الأقل. المفهوم الأساسي للعلم - ليس منذ يوم أمس ولكن منذ فترة طويلة جدًا من الوقت- هو مفهوم لمجموعة. مجموعة لا علاقة لها بمفهوم. بمجرد وضع مجموعات في ارتباط منتظم، تحصل على وظائف ويمكنك أن تقول، "أنا أصنع العلم".


يمكن لأي شخص أن يتحدث إلى أي شخص آخر، يمكن لمخرج أن يتحدث إلى عالم، والعالم بإمكانه أن يملك شيئًا ليقوله لفيلسوف، والعكس بالعكس، فقط وفقًا للنشاط الإبداعي الخاص بهم. لن يتحدثوا عن خلق - الخلق شيء فردي جدًا - لكنني أملك شيئًا لأقوله لشخص آخر باسم خلقي. إذا صففت جميع التخصصات التي تُعرف نفسها خلال النشاط الإبداعي، سأقول أن لهم حدًا مشتركًا. الحد مشترك لكل هذه السلسلة من الاختراعات - اختراعات وظائف، واختراعات كتل المدة / الحركة، اختراعات مفاهيم - هي الزمان والمكان. كل هذه التخصصات تتواصل على مستوى شيء لا يظهر أبدًا لذاته، ولكنه ينخرط في كل انضباط إبداعي: تشكيل الزمان والمكان.


في أفلام بريسون، كما نعلم جميعًا، هناك نادرًا مساحات كاملة. وهي مساحات يمكن أن نسميها مفككة. على سبيل المثال، هناك زاوية، زاوية خلية. ثم هناك زاوية أخرى أو جزء من الجدار. كل شيء يحدث كما لو أن المساحة البريسونية تتكون من سلسلة من قطع صغيرة لا علاقة محددة بينها. هناك بعض المخرجين العظام الذين، على العكس من ذلك، يستخدمون المساحة كلها. أنا لا أقول أنه من الأسهل إدارة مساحة كاملة. ولكن مساحة بريسون هي نوع مميز من المساحة. وبالتأكيد تم استخدامها مرة أخرى بطريقة خلاقة جدًا من قبل آخرين قاموا بتجديدها. ولكن بريسون كان واحدًا من أول من صنعوا مساحة بقطع مفككة صغيرة، قطع صغيرة لا علاقة محددة بينها. وأود أن أضيف: في الحد بين كل هذه المحاولات للخلق هناك زمان ومكان. فقط زمان ومكان، وكتل بريسون للمدة / الحركة سوف تميل نحو هذا النوع من المساحة وغيره.


ثم يصبح السؤال، ما الذي يربط هذه القطع الصغيرة من المساحة البصرية إذا لم يكن ارتباطها محددًا سلفًا. اليد تربط بينها. هذه ليست نظرية أو فلسفة. لا يمكن استنتاجها بهذا الشكل. أقول أن هذا النوع من المساحة البريسونية تعطي قيمة سينمائية لليد في الصورة. الروابط بين القطع الصغيرة للمساحة البريسونية - نسبة لحقيقة أنها قطع، قطع مفككة من المساحة - يمكن أن تصنع يدويًا فقط. وهذا ما يفسر إرهاق الأيدي في أفلامه. كتلة بريسون للمدى/ الحركة لديها اليد كرمز معين لهذا الخالق، هذه المساحة، واليد التي تأتي مباشرة منها. فقط اليد بإمكانها أن تصنع اتصالًا فعالاً بين جزء من المساحة وآخر. بريسون هو بالتأكيد أعظم مخرج يعيد تقديم قيمة ملموسة إلى الفيلم. ليس فقط لأنه يعلم كيفية أخذ لقطات ممتازة للأيدي. فهو يعرف كيف يلتقط صورًا ممتازة للأيدي لأنه يحتاجها. الخالق ليس شخصًا يعمل من أجل المتعة. الخالق يفعل فقط ما هو أو هي بحاجة إليه كليًا.


مرة أخرى، امتلاك فكرة في السينما ليست كاِمتلاك فكرة في مجال آخر. ومع ذلك، الأفكار في السينما يمكن أن تعمل أيضًا داخل تخصصات أخرى، ويمكن أن تكون رائعة في الرواية، على سبيل المثال. على الرغم من ذلك لن يكون لها نفس المظهر على الإطلاق. فالأفكار في السينما لا يمكن أن تكون إلا سينمائية. بغض النظر. حتى لو كانت هناك أفكار في السينما يمكن أن تعمل داخل رواية، فإن تلك الأفكار تكون منخرطة بالفعل في العملية السينمائية مما يجعلها مقدرة مقدمًا للسينما. هذه وسيلة لطرح سؤال يهمني: ما الذي يجعل مخرجًا يرغب حقًا في تكييف رواية، على سبيل المثال؟ يبدو واضحًا لي أن السبب هو أن لديه أو لديها أفكار في السينما يرن صداها مع ما تقدمه الرواية كأفكار للرواية. في بعض الأحيان يمكن أن تحدث لقاءات قوية. المشكلة ليست أن المخرج يكيف رواية متواضعة بشكل بارز. ربما هو أو هي يحتاجون إلى الرواية المتوسطة، وهذا لا يعني أن الفيلم لن يكون رائعًا؛ سيكون من المثير النظر إلى هذه المشكلة. سؤالي مختلف: ماذا يحدث عندما تكون الرواية ممتازة وينكشف التقارب من خلال امتلاك شخص لفكرة في السينما تتوافق مع فكرة في الرواية؟


واحد من أجمل الأمثلة هو كوروساوا. لمَ هو على دراية بشكسبير ودوستويفسكي؟ لمَ تطلب الأمر رجلًا من اليابان ليكون على دراية بشكسبير ودوستويفسكي؟ سوف أعطي جوابًا قد يهم الفلسفة أيضًا. شيء غريب يحدث في كثير من الأحيان لشخصيات دوستويفسكي، شيء يمكن أن يأتي من التفاصيل الصغيرة. فهم بشكل عام مضطربون جدًا. شخصية تغادر، تخرج إلى الشارع وتقول: "تانيا، المرأة التي أحب، سألتني أن أساعدها. يجب أن أسرع؛ سوف تموت إن لم أذهب إليها". يذهب إلى الطابق السفلي، ويجتمع بصديق أو يرى كلبًا يموت في الشارع وينسى، ينسى تمامًا أن تانيا تنتظره. ينسى. يبدأ الحديث، يجتمع بصديق آخر، يذهب لتناول الشاي في بيته ويقول فجأة مرة أخرى، "تانيا تنتظرني. يجب أن أذهب". ماذا يعني ذلك؟ تقع شخصيات دوستويفسكي باستمرار في حالات طارئة، وبينما يقعون في حالات الحياة والموت الطارئة تلك، يعرفون أن هناك مسألة أكثر إلحاحًا - لكنهم لا يعرفون ما هي. هذا هو ما يوقفهم. كل شيء يحدث كما لو كان أسوأ حالات الطوارئ - "لا يمكن أن أنتظر، علي الذهاب" - يقولون لأنفسهم: "لا، هناك شيء أكثر إلحاحًا. لن أتزحزح حتى أعرف ما هو". إنه الأبله. إنها صيغة الأبله: " تعرف، أن هناك مشكلة أعمق. لست متأكدًا ما هي. لكن اتركني بمفردي. دع كل شيء يتعفن ... هناك مشكلة أكثر إلحاحًا يجب إيجادها". لم يتعلم كوروساوا ذلك من دوستويفسكي. كل شخصيات كوروساوا هم من هذا القبيل. هذه مواجهة موفقة. يمكن لكوروساوا أن يتكيف مع دوستويفسكي على الأقل لأنه يقول: "أشاركه مصدر قلقي، مشكلة مشتركة، هذه المشكلة." شخصيات كوروساوا تكون في حالات مستحيلة، ولكن انتظر! هناك مشكلة أكثر إلحاحًا. وعليهم أن يعرفوا ما هي تلك المشكلة. إيکیرو قد يكون الفيلم الذي ذهب أبعد من غيره نحو هذا الإحساس. ولكن باقي أفلامه أيضًا تذهب في هذا الاتجاه. الساموراي السبعة، على سبيل المثال. مساحة كوروساوا بأكملها تعتمد على ذلك، مساحة بيضاوية منقوعة بالضرورة في المطر. في الساموراي السبعة، تقع الشخصيات في حالات طارئة - لقد قبلوا الدفاع عن القرية - من بداية الفيلم حتى النهاية، سؤال أكثر عمقًا يزعجهم. السؤال يُطرح في نهاية الفيلم بواسطة زعيم الساموراي وهم يغادرون: "ما هو الساموراي؟ ما هو الساموراي، ليس بشكل عام، ولكن في هذا الوقت؟" شخص لم يعد يخدم غرضًا. الحاكم لم يعد يحتاج إليهم وسوف يتعلم الفلاحين قريبًا الدفاع عن أنفسهم. طوال الفيلم، رغم إلحاح الوضع، انشغل الساموراي بهذا السؤال، سؤال يستحقه الأبله: نحن الساموراي، ما نحن؟