Showing posts with label النسوية. Show all posts
Showing posts with label النسوية. Show all posts

Tuesday, March 24, 2020

النسوية: ليست متعلقة بك؛ ساندرا مايلز

ترجمة: سماح جعفر






أنا نسوية. أملكُ منظورًا نسويًا. بعد كتابة هذه الكلمات مباشرة، أشعر أيضًا بالحاجة إلى كتابة: "أنا لا أكره الرجال". في كثير من الأحيان، عندما أعلن منظورًا نسويًا، يُدير العديد من الرجال أعينهم ويجزمون أنني أعلن كراهيتي للرجال. يبدو إن عبارة "أنا نسوية" تأتي بأضواء حمراء وامضة وبوق صاخب ومذيع يصرخ "تحذير! تحذير!" بينما يجب أن تُسَلط الأضواء فقط على الطريقة التي أعالج بها الأنشطة اليومية. إن النسوية في الأساس منظورٌ يعلن نظرتي للعالم، وليس اعترافًا بأن لدي تحيزًا متأصلًا ضد مجموعة من الناس.

على سبيل المثال، قد يسمع شخص غير نسوي شخصًا يقول، "بما أنك نسوية، فهل هذا يعني أنك تكرهين الرجال؟" وقد ينتظر ببساطة الإجابة على السؤال، أو يحاول الإجابة على السؤال. سوف تسمع النسوية نفس السؤال وتبدأ على الفور بالإشارة إلى الطريقة التي تحول بها الجملة المنظور من المرأة التي تمثلها الكلمة إلى الرجال الذين لا تذكرهم الكلمة. سوف تتساءل هي أو هو حينها عن الحاجة إلى إدخال الذكورة في شيء من الواضح أنه أُنْثويّ.

أن أكون نسوية يعني أنه عندما أشاهد الأخبار، ألاحظ على الفور الصور النمطية الجنسانية التي تجعل حياتي أكثر صعوبة. هذا يعني أنه عندما أرى شخصًا ما يناقش بشغف الحاجة إلى وقف ملاحقة الرجال السود والملونين، أتساءل متى سنتذكر أن النساء يقعن أيضًا ضحايا الظلم. يعني أنه عندما أسمع عن الصور النمطية السلبية التي تجعلنا نشعر بخوف غير عقلاني من بعض الرجال، لا يسعني إلا تَذَكُر الخوف غير العقلاني، الإرهاب، والجنسنة[1] المفرطة لبعض النساء.

أن أكون نسوية يعني أنه عندما يوقفني رجل في طريقي إلى الكنيسة ويطلب مني أن أبتسم، أميل إلى أن أشرح له عدم ملاءمة طلبه. هذا يعني أيضًا أنه لا يسعني إلا أن أبتسم عندما أرى نظرة الغَيْظ على وجهه بينما أفكر، "إن الشعور بالانزعاج الذي تشعر به عندما أتحدث عن التحرش في الشارع هو نفسه الشعور الدقيق بالانزعاج الذي أُحسه عندما أتعرض للتحرش".

أن أكون نسوية سوداء يعني أنني أشعر بالإحباط عندما يحاول الرجال والنساء السود إقناعي بالحاجة إلى تجاهل القضايا التي تؤثر علي بوصفي امرأة من أجل "صالح العرق"، بينما لم يسبق للعرق أن اهتم بقضية واحدة تؤثر بشكل خاص على نسائنا. أن أكون نسوية سوداء يعني أنني أشعر بالإحباط أيضًا عندما تعلن النساء من الأجناس الأخرى أجندة نسوية تؤثر سلبًا على الرجال السود وتتجاهل النساء السود تمامًا.

بروح الإفصاح الكامل، أدرك تمامًا حقيقة أن هناك العديد من النسويات اللاتي يشاركن بنشاط في كراهية الرجال تحت ستار النسوية. أدرك تمامًا أيضًا أن بعض النسويات عنصريات و / أو يفضلن أن تظل النسوية بيضاء ووسطية. ومع ذلك، فإن إدراك هذه الأشياء لا يغير وجهة نظري النسوية الشخصية، ولا يشعرني بالالتزام للإجابة على أسئلة هؤلاء الناس ضئيلي المعلومات.

باختصار، أنا نسوية لأن هذا ما أنا عليه، لأن هذا ما يخصني.




[1] ترتبط الجنسنة بالتشييء الجنسي. تحدث الجنسنة –وفقًا لجمعية علم النفس الأمريكية– عندما «يُنظر إلى الأفراد على أنهم كائنات جنسية ويُقيَّمون من حيث مميزاتهم البدنية وجاذبيتهم الجنسية».


_____________________

الدكتورة ساندرا مايلز هي المديرة الوطنية السابقة لمؤسسة تنمية الإناث السود. تقيم حاليًا في إنديانا، لكنها ستظل دائمًا فتاة فلوريدية في القلب.




Saturday, June 2, 2018

التكلم بألسنة؛ رسالة إلى كاتبات العالم الثالث؛ غلوريا آنزالدوا

ترجمة: سماح جعفر






 21 مايو 1980م


عزيزاتي النساء ذوات البشرة الملونة، رفيقاتي في الكتابة
أجلس الآن عارية تحت أشعة الشمس، والآلة الكاتبة أمام ركبتي، في محاولة لتصوركن. امرأة سوداء منكبة فوق طاولة في الطابق الخامس لأحد مساكن نيويورك. شيكانا(1) جالسة على الشرفة في جنوب تكساس، تزيح بعيدًا البعوض والهواء الساخن، في محاولة لإثارة جمر الكتابة المشتعل. امرأة هندية تمشي إلى المدرسة أو العمل، وتعرب عن أسفها لعدم وجود وقت لنسج الكتابة في حياتها. آسيوية أمريكية، مثلية، أم وحيدة، تُسحبُ في جميع الاتجاهات بواسطة الأطفال، الحبيب، أو الزوج السابق، والكتابة.

ليس من السهل كتابة هذه الرسالة. فقد بدأت كقصيدة، قصيدة طويلة. وحاولت تحويلها إلى مقال ولكن النتيجة كانت خشبية، وباردة. فأنا لم أَنسى بعد ضربات الثيران المعدة لفئات معينة والتثقيف الزائف الذي أحدثت به المدرسة غسيل دماغ في كتاباتي.

كيف أبدأ من جديد. كيف لي أن أقَرُبَ الحميمة والفورية التي أبتغيها. بأي شكل؟ رسالة، بطبيعة الحال.

إيرماناس العزيزة، الأخطار التي نواجهها كنساء وكاتبات ملونات ليست هي نفسها التي تواجهها النساء البيض، على الرغم من أننا نملُك الكثير من القواسم المشتركة. فنحن ليس لدينا الكثير لنفقده – ولم يكن لدينا أية امتيازات أبدًا. أريد أن اُسمي المخاطر “عقبات”، ولكن ذلك سيكون نوعًا من الكذب. نحن لا نستطيع تجاوز المخاطر، ولا نستطيع أن نرتفع فوقها. يجب علينا أن نمضي من خلالها ونأمل أن لا نضطر إلى تكرار التجرُبة.

وبما أنه من غير المرجح أن نكون أصدقاء لأشخاصٍ في أماكن أدبية عالية، لأن المرأة الملونة غير مرئية في كلٍ من عالم الذكور البيض السائد وعالم النسويات البيض، وإن كان الأمر قد بدأ يتغير في الأخير تدريجيًا. المثلية الملونة ليست فقط غير مرئية، ولكنها غير موجودة حتى. خطابنا، أيضًا، غير مسموع. فنحن نتكلم بألسنة مثل المنبوذين والمجانين.

لأن الأعين البيضاء لا تريد أن تعرفنا، لذلك لم تهتم بتعلم لغتنا، اللغة التي تعكس ذواتنا، ثقافتنا، روحنا. المدارس التي ارتدناها أو لم نفعل لم تُعطنا المهارات اللازمة للكتابة ولا الثقة في أننا كنا على صواب في استخدام طبقتنا ولغاتنا العرقية. أنا، مثلًا،  أصبحتُ بارعة  في اللغة الإنجليزية وتخصصت فيها لأُغيظ واَتشفى في المعلمين العنصريين المتغطرسين الذين كانوا يعتقدون أن كل أطفال الشيكانا أغبياء وقذرين. لم تكن الإسبانية تُدرس في المدارس الابتدائية. ولم تشترط دراستها في المدرسة الثانوية. وعلى الرغم من أنني الآن أكتب قصائدي باللغة الإسبانية وكذلك الإنجليزية إلا أنني أشعر بتمزق في لساني الأصلي.


تقول أني افتقدُ إلى الخيال
لا. أنا افتقدُ إلى اللغة.
اللغة لأبلورَ
مقاومتي في الأدب.
الكلمات حربٌ بالنسبة لي.
فهي تهدد عائلتي.
لاكتساب الكلمة
لوصفِ الفقدان
أواجه خطر خسارة كل شيء.
ربما أخلق وحشًا،
مدى الكلمة وهيكلها
يتورم ملونًا ومثيرًا
يخيم على والدتي، متشكلًا.
صوتها في البعيد
غموضٌ أمي.
هذه هي كلمات الوحش.
شيري موراغا 


من الذي منحنا الإذن لنكتُب؟ لماذا تبدو الكتابة غير طبيعية بالنسبة لي؟ سأفعل أي شيء لتأجيلها – اُفرغ سلة المهملات، أجيب على الهاتف. الصوت يتكرر داخلي: كيف ليّ، أنا الشيكانيتا الفقيرة .من الغابات، أن أعتقد أنني أستطيع الكتابة؟ كيف تجرأت حتى على التفكير في أن أصبح كاتبة بينما أقفُ في حقول الطماطم، منحنية تحت أشعة الشمس الحارقة، ويدي عريضة وخشنة، غير صالحة للإمساك بريشة، ومخدرة في سبات حيواني بفعل الحرارة.
كم هو صعبٌ بالنسبة لنا أن نعتقد أن بإمكاننا أن نختار أن نصبح كاتباتٍ، ولكن رهبتنا تصير أقل عندما نُحس ونؤمن أنه بإمكاننا حقًا أن نصير كاتبات. من نحن لنساهم، لنعطي؟ توقعاتنا الخاصة تُقيدنا. ألا تخبرنا طبقتنا، ثقافتنا وكذلك الرجل الأبيض أن الكتابة ليست للنسوة أمثالنا؟

يتحدث الرجل الأبيض: ربما لو كَشطتِ الحلكة عن وجهك. ربما لو بيضتِ عظامك. توقفت عن التكلم بألسنة وتوقفت عن الكتابة العسراء. لا تصقلي جلدك الملون ولا ألسنتك النارية إذا كنتِ تريدين أن تنجحي في عالم اليد اليمنى.

الرجل”، مثل كل الحيوانات الأخرى، يخاف، ويصدُ ما لا يفهمه، ويظن أن الاختلاف البسيط قادر على أن يحمل ضمنًا شيئًا خبيثًا”. – أليس ووكر


أظن، نعم، ربما لو ذهبنا إلى الجامعة. ربما لو صرنا نسوة تمِلنَ للرجال أو طبقة متوسطة بقدر استطاعتنا. ربما لو تخلينا عن حبنا للنساء، سوف نستحق قول شيء يستحقُ قوله. يخبروننا أننا لا بد أن نزرع الفن لأجل الفن. ونسجد للثور، الشكل المقدس. ونضع أُطرًا وأطر معدنية حول الكتابة. أن نحقق البعد لنفوز باللقب المرغوب “كاتبة أدبية” أو “كاتبة محترفة”. وفوق كل شيء أن لا نكون بسيطات، مباشرات ولا واضحات.

لماذا يقاتلوننا؟ لأنهم يعتقدون أننا وحوش خطيرة؟ لماذا نحن وحوش خطيرة؟ لأننا نهز وكثيرًا ما نكسر الصور النمطية المريحة التي يملكها البيض عنا: العاملة السوداء، المربية المتثاقلة مع اثني عشر طفلًا يمصون حلمتها، الصينية مائلة العينين مع يدها الخبيرة -“اللاتي يعرفن كيفية التعامل مع الرجل في السرير”، والشيكانا ذات الوجه المسطح أو الهندي، والتي بسلبية تستلقي على ظهرها، وينيكها رجل a la Chingada.

ثورات نساء العالم الثالث: نحن نُبطل، نمحُو بصمة الرجل الأبيض. وعندما تأتي لتطرق على أبوابنا بطوابعك المطاطية لتصِم وجوهنا بكلمات مثل غبية، هستيرية، شرموطة بليدة، فاسدة، عندما تأتي بالحديد المنحوت عليه اسمك لتكتب “ممتلكاتي” على أردافنا، فإننا سوف نتقيء الشعور بالذنب، وإنكار الذات، وكراهية العرق التي غذيتنا بها بقوة مباشرة نحو فمك. لقد اكتفينا من كوننا وسائد مخاوفك المتوقعة. لقد تعبنا من كوننا حملان وكباش فداءك.

أستطيع أن أكتب هذا، ولكن رُغم ذلك فأنا أدرك أن الكثير منا نحن النساء ذوات البشرة الملونة اللاتي لديهن شهادات مزخرفة، وثائق تفويض، وكُتب منشورة حول رقابنا مثل اللؤلؤ نتشبث بها طوال الحياة العزيزة نخاطر بالمساهمة في حجب شقيقاتنا الكاتبات. “la Vendida”، وبيع القضية.

خطر خيانة الأيديولوجيات. لنساء العالم الثالث اللاتي يملكن، في أحسن الأحوال، قدم واحدة داخل عالم الأدب النسوي، لأن الإغراء كبير لاعتماد بدع الشعور والبدع النظرية، شبه الحقائق في الفكر السياسي، والبديهيات النفسية للعصر الحديث نصف المهضومة التي تم التبشير بها بواسطة المؤسسة النسوية البيضاء. التي اشتهرت تابعاتها بــ “اعتماد” النساء ذوات البشرة الملونة كــ “قضية” في حين لا يزلن يتوقعن منا التكيف مع توقعاتهن ولغتهن.

كيف نجرؤ على الخروج من وجوهنا الملونة. كيف نجرؤ على إظهار اللحم الآدمي تحتها والدم الأحمر النازف مثل الناس البيض. يحتاج الأمر إلى طاقة هائلة وشجاعة لكي لا نرضخ، لكي لا نستسلم لتعريف نسوي لا يزال يجعل من معظمنا غير مرئيات. حتى وأنا أكتب هذا فإنني منزعجة حيال كوني الكاتبة الوحيدة من العالم الثالث في هذا الكتيب. مرارًا وتكرارًا وجدت نفسي المرأة الوحيدة من العالم الثالث في القراءات وورش العمل والاجتماعات.

لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بأن نُرَمَز. يجب علينا أن نجعل كتاباتنا، والتي هي من نساء العالم الثالث الأولوية الأولى. لا يمكننا تثقيفُ النساء البيض وأخذهن باليد. معظمنا على استعداد للمساعدة، ولكننا لا نستطيع أن نقوم بواجبات المرأة البيضاء بدلًا عنها. هذا استنزاف للطاقة، في مرات عديدة، تلقت نيللي ونغ، الكاتبة الأمريكية الآسيوية، اتصالات من نساء بيض يُرِدن قائمة من النساء الأميركيات الآسيويات اللاتي يمكن أن يُدِرنَ قراءات وورش عمل. نحن في خطر التحول إلى متعهدي توريد للقوائم.

بالوقوف وجهًا لوجه أمام قيودك الخاصة. فهناك الكثير من الأشياء التي يمكنك القيام بها في يوم واحد. لويزا تيش، مخاطبة مجموعة من النسويات البيض في الغالب، هذا ما قالته عن خبرة نساء العالم الثالث: إذا لم تكوني واقعة في متاهـ[تنا] التي نحن فيها، فمن الصعب جدًا أن نشرح لكِ ساعات اليوم التي لا نملكها. لأن الساعات التي لا نملكها هي الساعات التي يتم ترجمتها إلى مهارات النجاة وكسب المال. وعندما تُؤخذ إحدى تلك الساعات بعيدًا فهذا يعني أنها ساعة لم نعد نملكها لنستلقي ونحدق في السقف أو ساعة لم نعد نملكها لإجراء محادثة مع صديق. بالنسبة لي إنها رغيف من الخبز.

اِفهم.
عائلتي فقيرة.
فقيرة. لا أستطيع تحمل تكاليف
وشاح جديد. خطورة هذا
الأمر كافية
لجعلي استمر
عبرها، بمسؤولية.
التكرار مثل إعادة سرد
أمي للقصص، كل مرة
يكشف المزيد من التفاصيل
يُكسب المزيد من الإلفة.
لا يمكنك أن تركبني في سيارتك بهذه السرعة.
شيري موراغا 


الرضا عن النفس هو سلوك أخطر بكثير من الغضب.” ناعومي ليتلبير*

لماذا أنا مضطرة للكتابة؟ لأن الكتابة تنقذني من هذا الرضا الذي أخشاه. لأنه ليس لدي أي خيار. لأنه يجب عليّ أن اُبقي روح ثورتي ونفسي حية. لأن العالم الذي خلقته في الكتابة يعوض عما لم يُعطنيه العالم الحقيقي. بالكتابة أُقيمُ النظام في العالم، وأمنحه مقبضًا حتى أتمكن من الإمساك به. أكتبُ لأن الحياة لا ترضي شهيتي وجوعي. أكتب لأسجل ما يمحوه الآخرين عندما أتحدث، لأُعيد كتابة القصص التي أخطأ الآخرين في كتابتها عني، عنك.

لأُصبح أكثر حميمية مع نفسي ومعكِ. لاكتشفَ نفسي، لأحفظ نفسي، لأكون نفسي، لأُحقق استقلاليتي. لأُبدد الأساطير حول كوني نبية مجنونة أو روحًا ضعيفة تعاني. لأُقنع نفسي أنني استحق وأن ما يجب أن أقوله ليس كومة من القرف. لأُظهر أنني أستطيع، وأنني سوف أكتب، بغض النظر عن نُصحهم بالعكس. سأكتب عن الذين لا يذكرون، بغض النظر عن لحظات غضب الرقابة والجمهور. وأخيرًا، سأكتب لأنني خائفة من الكتابة ولأنني خائفة من عدم الكتابة أكثر.

لمَ عليَّ أن أبرر لمَ أكتُب؟ هل أحتاج لأكون شيكانا فقط، امرأة فقط؟ ربما ستحاول أيضًا جعلي أبرر لمَ أحيا؟

فعل الكتابة هو فعل صنع الروح، الكيمياء. هو السعي لأجل الذات، لأجل مركز النفس، وهو ما أصبحنا نفكر فيه نحن النساء ذوات البشرة الملونة كشيء “آخر” – مظلم، أنثوي. ألم نبدأ بالكتابة لنوفق بين هذا الآخر في داخلنا؟ كنا نعرف أننا مختلفات، موضوعات جانبًا، منفيات مما يُعتبر “طبيعيًا”، الحق الأبيض.

وبينما إنضوينا في هذا المنفى، أصبحنا نرى المغاير في داخلنا وفي كثير من الأحيان، ونتيجة لذلك، انقسمنا عن أنفسنا وعن بعضنا البعض. وإلى الأبد بعدها ظللنا نبحث عن تلك النفس، تلك “الأخرى”، وعن بعضنا البعض. وعدنا، بعد التفافات ضخمة، ولكننا أبدًا لم نعد إلى مكان الطفولة نفسه حيث حدث ما حدث، أولًا في عائلاتنا، مع أمهاتنا، مع آبائنا. الكتابة هي أداة لاختراق هذا اللغز ولكنها أيضًا تحمينا، تمنحنا مساحة شاسعة، تساعدنا على البقاء على قيد الحياة. وأولئك الذين لن يتمكنوا من النجاة: نفايات أنفسنا: كثير من اللحوم الملقاة على قدمي الجنون أو المصير أو الدولة.

24 مايو 1980م

الجو مظلم ورطب وكانت تمطر طوال اليوم. أحب الأيام المماثلة. بينما أرقد في السرير أكون قادرة على الإبحار نحو الداخل. ربما اليوم سأكتب من ذلك الجوهر العميق. بينما أتلمس بحثًا عن كلمات وصوت للحديث عن الكتابة، أحدق في يدي البنية القابضة على القلم وأفكر فيكِ على بعد آلاف الأميال تمسكين قلمك. أنت لست وحدك.

أيها القلم، أحس بأنني في الوطن حقًا بينما يقوم حبرك بدوران رقصة الباليه، مثيرًا خيوط العنكبوت، وتاركًا توقيعي على زجاج النوافذ. أيها القلم، لمَ خشيتك أبدًا. أنت أليف جدًا، ولكنها وحشيتك التي وقعت في حبها. سوف أضطر إلى التخلص منك عندما تصبح متوقعًا، عندما تكُف عن مطاردة شياطين الغبار. 

وكلما فُقتَني دهاءً كلما أحببتك أكثر. لكنك تخترق دفاعاتي عندما أشعر بالتعب أو أتناول الكثير من الكافيين أو النبيذ، وتقول أكثر مما كنت أنوي قوله. أنت تدهِشُني، تصدمني بمعرفة جزء مني أبقيته سرًا حتى عن نفسيافتتاحية اليوميات*

 في المطبخ صوتيِ ماريا وشيري يقعان في هذه الصفحات. أستطيع أن أرى شيري تسير مرتدية ردائها، حافية القدمين، تغسل الأطباق، تنظف مفرش المائدة، وتكنس. واستمد متعة ما من خلال مشاهدتها تؤدي هذه المهام البسيطة، وأفكر أنهن كذبنَ، لأنه ليس هناك انفصال بين الحياة والكتابة.

الخطر في الكتابة ليس إدماج تجربتنا الشخصية ورؤية العالم مع الواقع الاجتماعي الذي نعيشه، مع حياتنا الداخلية وتاريخنا واقتصادنا، ورؤيتنا. ما يؤكدنا كبشر يؤكدنا ككاتبات. ما يهم بالنسبة لنا هو العلاقات التي هي مهمة بالنسبة لنا سواء مع أنفسنا أو مع الآخرين. يجب علينا أن نستخدم ما هو مهم بالنسبة لنا للوصول إلى الكتابة. ليس هناك موضوع تافه جدًا. يكمن الخطر في أن تكوني عالمية جدًا وإنسانية وتنشدين الأبدية من خلال التضحية بالشخصي والأنثوي واللحظة التاريخية المحددة.

تكمُن المشكلة في التركيز، الحشد الداخلي. الجسد يتشتت، ويُخَربُ بمئات الخدع، كوب القهوة، الأقلام التي تحتاج إلى الشحذ. الحل هو أن يلوذ الجسد بالسجائر أو بعض الطقوس الأخرى. ومن منا تملُك الطاقة لتكتب بعد رعاية زوج أو حبيب، أطفال، وغالبًا عمل خارجي؟ تبدو المشاكل عويصة وهي كذلك بحق، ولكنها تتوقف عن كونها عويصة عندما نقرر أنه سواء كنا متزوجات أو لدينا أطفال أو نعمل خارج المنزل سوف نصنع وقتًا للكتابة.

انسيِ غرفة ذاتك – اكتبي في المطبخ، احبسي نفسك في الحمام. اكتبي في الباص أو في طابور الإعانات الحكومية، في العمل أو خلال الوجبات، بين الحُلم أو  اليقظة. أنا اكتبُ بينما أجلس في الحمام.

سوف تقضينَ فترات طويلة أمام الآلة الكاتبة إلا إذا كنت ثريًة أو تملُكين راعيًا – قد لا تملكين حتى آلة كاتبة. بينما تغسلين الأرض أو الملابس استمعِ إلى الكلمات المترددة في جسدك. عندما تكونين مكتئبة، غاضبة، مجروحة، عندما تتملكك الرحمة والمحبة. عندما لا تقدرين على فعل شيء سوى الكتابة.

الإلهاءات – هي ما أجلبه على نفسي عندما أكون غارقة جدًا في الكتابة، عندما أكاد أبلغ هذا المكان، ذلك القبو المظلم حيث “شيء ما” يمكن أن يقفز وينقض عليَّ. الطرق التي أخربُ بها الكتابة عديدة. بنفس الطريقة التي لا أقرع بها البئر ولا أتعلم كيف أجعل طواحين الهواء تدور.

الأكل هو إلهائي الأكبر. استيقظ لأتناول فطيرة تفاح. كوني ممنوعة من تناول السكر منذ ثلاث سنوات ليس رادعًا، ولا حقيقة أنني يجب أن أرتدي معطفًا، ثم أجد المفاتيح، وأخرج نحو ضباب سان فرانسيسكو لأحصل على هذه الفطيرة. ربما استيقظ لإشعال بخورٍ، لوضع أسطوانة، أذهب  للتنزه – أي شيء لكي أؤجل الكتابة.

أعود بعد إشباع نفسي. اكتبُ فقرات في قصاصات ورق، تضيف القليل للأحجية على الأرض، للإرتباك في طاولتي، جاعلة الكمال بعيدًا جدًا والمثالية مستحيلة.


28 مايو 1980م

عزيزاتي النساء ذوات البشرة الملونة، أحس بالثقل والتعب وهناك طنين في رأسي – فقد تناولت الكثير من البيرة بالأمس. لكنني لا بد أن أُنهي هذه الرسالة. رشوتي: أن أخرج لتناول البيتزا. لذلك أقُص وألصِق وأخطط الأرض بقصاصات من الورق. حياتي متناثرة على الأرض في أجزاء وفقرات وأنا أحاول أن اَستخرج منها بعض النظام، أعمل في صراع مع الزمن، وأعالج نفسي بالقهوة منزوعة الكافيين، محاولة ملء الثغرات.

جاءت رفيقتي في السكن ليزلي، وجلست على ركبتيها لتقرأ شذراتي الموضوعة على الأرض وقالت، “إنها جيدة يا غلوريا”. وفَكَرتُ: لا يتوجب عليَّ العودة إلى تكساس، إلى عائلتي، الذباب، الصبار، الثعابين، وطائر الجواب. عائلتي، هذا المجتمع من الكاتبات. 

كيف عشت ونجوت وقتًا طويلًا دونكن. أتذكر العزلة، وأعيد عيش الألم مرة أخرى.

تقييم الضرر فعل خطير”، كتبت شيري موراغاوأن تتوقف هناك لهو خطر أكبر.

من السهل جدًا إلقاء اللوم كله على الرجل الأبيض أو النسويات البيض أو المجتمع أو أبوينا. ما نقوله وما نفعله دائمًا ما يرتد إلينا، لذا دعونا نتحمل مسؤولياتنا، دعونا نضعها بين أيدينا ونحملها بكرامة وقوة. لن يقوم أحد بإنجاز أعمالي القذرة، سوف أنظف خلف نفسي.

صار أمر مقاومتي لفعل الكتابة منطقيًا تمامًا بالنسبة لي الآن، الالتزام بالكتابة. أن تكتب هو أن تواجه شياطينك، أن تنظر إليهم في وجوههم وتعيش لتكتب عن الأمر. الخوف يعمل كمغناطيس؛ فهو يجذب الشياطين خارج خزاناتنا ويغمسها في الحبر في أقلامنا.

النمر الذي يركب ظهورنا (الكتابة) لا يتركنا وشأننا. لمَ لا تكتبين، كتابة، كتابة؟ يسألنا باستمرار حتى نبدأ في الشعور بأننا مصاصو دماء نمِصُ الدم الطازج جدًا للتجربة؛ أننا نمِصُ دم الحياة لنغذي القلم. الكتابة هي الشيء الأكثر جرأة الذي فعلته أبدًا وكذلك الأكثر خطورةنيللي وونغ تدعو الكتابة “الشيطان ذو الثلاثة أعين الذي يصيح  بالحقيقة”.

الكتابة خطيرة لأننا نخاف من ما تكشفه الكتابة: مخاوف، استياءات، نقاط قوة المرأة في ظل القمع الثلاثي أو الرباعي. ومع ذلك، في هذا الفعل تحديدًا تكمن نجاتنا، لأن المرأة التي تكتب تملُك قوة. والمرأة القوية مُهابة.

ما الذي عناه أن تكون المرأة السوداء فنانة في زمان جداتنا؟ إنه سؤال إجابته قاسية بما يكفي لتوقف الدم. – أليس ووكر

لم أر قط قوة كبيرة في المقدرة على تحريك وتحويل الآخرين كتلك التي تأتي من كتابة النساء ذوات البشرة الملونة.

في منطقة سان فرانسيسكو، حيث أعيش الآن، ليس هناك أحد يستطيع أن يثير الجمهور بحرفيته وقوله للحقيقة مثل شيري موراغا (شيكانا)، جيني ليم (أمريكية آسيوية)، ولويزا تيش (سوداء). مع نساء مثلهن، عزلة الكتابة وإحساس الضعف يمكن أن يتبدد. يمكننا أن نسير سويًا ونتحدث عن الكتابة، ونقرأ لبعضنا البعض. وكثيرًا عندما أكون وحيدة، نتواصل مع بعضنا البعض. لقد تملكتني الكتابة ودفعتني لأَقفز إلى لا مكان خالد ومنعدم حيث انسى نفسي وأحس بأنني الكون. هذه هي القوة.

إنك لا تكتبين في الورق بل في أحشائك، أمعائك وخلال الأنسجة الحية – أدعوها الكتابة العضوية. لا تكون القصيدة ناجحة بالنسبة لي عندما تقول ما أود منها قوله ولا عندما تستحضر ما أريد منها استحضاره. ولكنها تنجح عندما يتحول الموضوع الذي بدأته كيميائيًا إلى آخر، آخر مُكتَشَف، أو مُفَشَى، عبر القصيدة. 

تنجح عندما تفاجئني، عندما تقول شيئًا قمعته أو تظاهرت بعدم معرفته. معنى وقيمة كتاباتي تقاس بمدى قدرتي على وضع نفسي على الخط ومدى التجرد الذي بلغته.

تقول أودري أننا بحاجة إلى التكلم. التكلم بصوتٍ عالٍ، التكلم عن الأمور المقلقة وأن نكون خطرات، وما تبقى ليس مهمًا، أخرجي كل ما لديك ودعي الجميع يسمعون سواء أحبوا الأمر أم لا. – كاثي كيندال

أقول أيتها المرأة السحرية، أفرغي نفسكِ. اصدمي نفسك نحو طرق جديدة لإدراك العالم، واصدمي قرائك نحو الشيء ذاته. اخرسي الثرثرة داخل رؤوسهم.

يجب أن تكون بشرتكِ حساسة بما فيه الكفاية لأخف قبلة وسميكة بما فيه الكفاية تجاه الهزء. إذا كنتِ ذاهبة لتبصقي في عين العالم، تأكدي من أن ظهركِ للريح. اكتبي عن أكثر ما يربطنا بالحياة، إحساس الجسد، الصور التي تُرى بالعين، توسع النفس في هدوء؛ لحظات الكثافة العالية، حركتها، الأصوات، الأفكار. على الرغم من أننا جائعات إلا أننا لا نفتقر للتجربة.

أعتقد أن كثيرات منا خُدعن بواسطة وسائل الإعلام، ومن خلال تقرير المجتمع أن حيواتنا يجب أن تُعاش داخل انفجارات كبيرة، بواسطة “الوقوع في الحب”، وبواسطة أن نكون “مسحوبين من أقدامنا”، وبواسطة شعوذة المردة السحريين الذين سيحققون أمنياتنا كلها، كل ما اشتقنا له خلال الطفولة. الأماني، الأحلام والأوهام هي أجزاء مهمة من حياتنا الإبداعية. هي خطوات تدمجها الكاتبة في حرفيتها. هي طائفة من الموارد للوصول إلى الحقيقة، قلب الأشياء، الآنية، وتأثير الصراع البشري.-نيللي ونغ

الكثيرون لديهم طريقة مع الكلمات. ويلقبون أنفسهم بالرائين، لكنهم لن يروا. الكثيرون لديهم هبة اللسان ولا شيء لقوله. لا تستمعي إليهم. الكثيرون ممن يملكون الكلمات واللسان لا يملكون أذانًا؛ لا يستطيعون أن يسمعوا ولن يسمعوا.

ليست هناك حاجة لأن تتضخم الكلمات في أذهاننا. فهي تنبت في الفم المفتوح للطفل حافي القدمين وسط الحشود المضطربة. وتتحلل في الأبراج العاجية والفصول الدراسية في الكلية.

ألقي بعيدًا التجريد والتعليم الأكاديمي، القواعد، الخريطة والبوصلة. تحسسي طريقك دون غمامات. لتؤثري في المزيد من الناس، يجب أن تستحضري الوقائع الشخصية مع الاجتماعي – ليس من خلال التصريحات ولكن من خلال الدم والقيح والعرق.
اكتُبي بعينيك مثل رسام، وبأذنيك مثل موسيقي، بقدميك مثل راقص. أنت قائلة الحقيقة بريشة ومشعل. اكتبي بألسنتك النارية. لا تدعي القلم يبعدك عن نفسك لا تدعي الحبر يتخثر في أقلامكِ. لا تدعي الرقيب يشم الشرارة، ولا تدعي الكمامات تُدثر صوتك. ضعي خرائك على ورقة.

نحن لا نتصالح مع الظالمين الذين يتبولون عوائهم على حزننا. نحن لا نتصالح. اعثري على الإلهام داخلكِ. الصوت الذي يقبع مدفونًا تحتكِ، أحفري لإخراجه.

لا تزيفي الأمر، بل حاولي تسويقه مقابل تصفيق أو مقابل طباعة اسمكِ.


بحب،
غلوريا






*من كتاب (This Bridge Called My Back هذا الجسر يدعى ظهري)، 1981، دار نشر  (KITCHEN TABLE: Women of Color Press) بعنوان ( Speaking in Tongues: A Letter to Third World Women Writers) .


نشر هذا المقال في الأصل في إصدارة "كاتبات الخزانة" عن مجموعة اختيار  Choice، لمطالعة العدد كاملًا اضغط هنا




Sunday, November 1, 2015

استخدام الإيروتيكية؛ أودري لورد

ترجمة: سماح جعفر




هناك أنواع كثيرة من السلطة مستخدمة وغير مستخدمة، معترف بها أو خلاف ذلك. الإيروتيكية تعد موردًا داخل كل واحد منا تختبئ في مستوى أنثوي وروحاني عميق، ومتجذر بحزم في قوة شعورنا غير المُظَهر أو المعروف. من أجل إدامة نفسها، كل ظلم لا بد أن يفسد أو يشوه تلك المصادر المختلفة للقوة داخل ثقافة القهر التي يمكن أن توفر الطاقة من أجل التغيير. بالنسبة للنساء، هذا يعني قمع الإيروتيكية كمصدر معتبر للقوة والمعلومات في حياتنا.

لقد تعلمنا الشك في هذا المورد، المذموم، المساء إليه، والمنخفض القيمة داخل المجتمع الغربي. فمن ناحية، تم تشجيع الإيروتيكية السطحية باعتبارها علامة على الدونية للأنثى؛ ومن ناحية أخرى، بُذلت النساء ليكابدن ويشعرن بالوضاعة والارتياب بحكم وجودهن.

إنها خطوة قصيرة من هناك نحو الاعتقاد الخاطئ أنه فقط من خلال قمع الإيروتيكية داخل حياتنا ووعينا يمكن للنساء أن يكن قويات حقًا. إلا أن القوة وهمية، لأنه تم تصميمها في إطار النماذج الذكورية للسلطة.

كنساء، لقد وصلنا إلى عدم الثقة في القوة التي ترتفع من معرفتنا العميقة والعاطفية. لقد تم تحذيرنا منها طوال حياتنا من قبل عالم الذكور، الذين يقدرون عمق الشعور هذا بقدر يكفي لإبقاء النساء قريبات من أجل ممارسة هذا الحق في خدمة الرجال، والذين يخشون دراسة احتمالات هذا العمق نفسه داخل أنفسهم. لذلك يتم إبقاء النساء في وضع أدنى/أبعد ليتم استنزافهن نفسيًا، بنفس الطريقة التي يحفظ بها النمل مستعمرات المن لتوفير المادة الواهبة للحياة لأسيادهم.

ولكن الإيروتيكية توفر مورد قوة متجددة واستفزازية للمرأة التي لا تخشى إيحاءها، ولا تستسلم للاعتقاد بأن الإحساس كافٍ.

كثيرًا ما منحت الإيروتيكية اسمًا مغلوطًا من قبل الرجال واستخدمت ضد المرأة. وتم تحويلها إلى إحساس مختلط، تافه، ذهاني وبلاستيكي. لهذا السبب، تحولنا بعيدًا عن التنقيب والنظر في الإيروتيكية كمصدر للطاقة والمعلومات، وخلطناها مع الإباحية. لكن الإباحية هي إنكار مباشر للقوة الإيروتيكية، لأنها تمثل قمع الشعور الحقيقي. فالإباحية تمثل الإحساس دون شعور.

الإيروتيكية هي مقياس بين إحساسنا بالذات وفوضى مشاعرنا الأكثر قوة. إنها شعور داخلي من الارتياح الذي، بمجرد أن نختبره، نعلم أننا نستطيع أن نطمح. ولأننا اختبرنا ملء هذا الشعور العميق واعترفنا بقوته، بعزة واحترام للذات لا يمكننا أن نطالب بما هو أقل من أنفسنا.

ليس سهلًا أبدًا أن نطالب بما هو أكثر من أنفسنا، من حياتنا، من عملنا. أن نشجع التميز هو أن نتجاوز تشجيع الرداءة في مجتمعنا. ولكن الاستسلام للخوف من الشعور والعمل على القدرة هو ترف يستطيع العرضيين[1] فقط تحمله، والعرضيين هم أولئك الذين لا يرغبون في توجيه مصائرهم.

هذا الضرورة الداخلية تجاه التميز التي نتعلمها من الإيروتيكية يجب ألا تفسر كطلب للمستحيل من أنفسنا ولا من الآخرين. لأن مثل هذا الطلب يعطل قدرة الجميع في العملية. لأن الإيروتيكية ليست سؤالًا عما نفعله فقط؛ إنها سؤال حول كيف لنا أن نحس حقًا وبشكل كامل أثناء الفعل. بمجرد أن نعرف إلى أي مدى نحن قادرات على الشعور بإحساس بالرضا والإنجاز، يمكننا حينها أن نلاحظ أي من مساعينا المختلفة في الحياة تجعلنا أقرب إلى ذلك الامتلاء.

الهدف من كل شيء نقوم به هو جعل حياتنا وحياة أطفالنا أكثر ثراء وأكثر احتمالًا. في إطار الاحتفال بالإيروتيكية في جميع مساعينا، يصبح عملي قرارًا واعيًا - توق إلى السرير الذي أدخل إليه بامتنان والذي استفيق منه مُمَكنة.

بالطبع، النساء المُمَكنات خطرات. لذلك يعلموننا فصل الإيروتيكية عن المجالات الأكثر حيوية في حيواتنا بخلاف الجنس. وضعف الاهتمام بجذر الإيروتيكية والرضا عن عملنا يمكن الشعور به في سخطنا للكثير مما نقوم به. على سبيل المثال، كم مرة أحببنا حقًا عملنا حتى في أصعب مراحله؟

الرعب الرئيسي في أي نظام يُعرف الخير بشروط الربح وليس بحاجة الإنسان، أو يعرف حاجة الإنسان باستبعاد العناصر النفسية والعاطفية لتلك الحاجة - الرعب الرئيسي لهذا النظام هو أنه يسلب عن عملنا قيمته الإيروتيكية، قوته الإيروتيكية ونداء الحياة والإنجاز. مثل هذا النظام يحد العمل لضروريات مزيفة، واجب يمكننا من خلاله كسب الخبز أو نسيان أنفسنا ومن نحب. ولكن هذا بمثابة تعمية رسامة ثم إخبارها بأن تحسن عملها، وأن تستمتع بفعل الرسم. ليس هذا أقرب إلى المستحيل فقط، بل هو أيضًا قاسٍ إلى حد كبير.

كنساء، نحن بحاجة لدراسة السبل التي يمكن لعالمنا بها أن يكون مختلفًا حقًا. أنا أتكلم هنا عن ضرورة إعادة تقييم جودة جميع جوانب حياتنا وعملنا، وكيف نتحرك تجاهها وعبرها.

إن لفظ الإيروتيكية مشتق من الكلمة اليونانية إيروس، تجسيد المحبة في جميع جوانبها - مولد الفوضى، وتجسد السلطة الإبداعية والتناغم. عندما أتحدث عن الإيروتيكية، إذن، فأنا أتكلم عنها كتأكيد على القوة الحياتية للنساء؛ تلك الطاقة الإبداعية المُمَكَنة، معرفة واستخدام ما نستعيده الآن في لغتنا وتاريخنا، رقصنا، محبتنا، عملنا، وحياتنا.

هناك محاولات متكررة لمساواة الإباحية والإيروتيكية، وهما استخدامين على طرفي النقيض من الجنسية. وبسبب هذه المحاولات، أصبح من المألوف فصل الروحاني (نفسي وعاطفي) عن الحياة السياسية، ورؤيتهما كما لو كانا مختلفين أو متناقضين. "ماذا تقصد، بثوري الشعرية، مهرب أسلحة وذخيرة التأمل؟" بنفس الطريقة، حاولنا فصل الروحي والإيروتيكي، مما قلص الروحي إلى عالم من التأثير الخاوي، عالم زاهد لا يطمح في أن يشعر بأي شيء. ولكن ليس هناك ما هو أبعد عن الحقيقة. لأن الحالة الزهدية هي واحدة من أعلى المخاوف، وأخطر أنواع الجمود. الامتناع عن ممارسة الجنس الشديد من الزهد يصبح الهوس الحاكم. وهذا ليس نوعًا من الانضباط الذاتي بل من نكران الذات.

الانقسام بين الروحي والسياسي هو أيضًا خطأ، ناجم عن اهتمام غير مكتمل بمعرفتنا الإيروتيكية. لأن الجسر الذي يربطهما مكون من الإيروتيكية - الحسية - تلك التعبيرات الجسدية والعاطفية والنفسية لما هو أعمق وأقوى وأغنى في داخل كل منا، والتي يتم تقاسمها: مشاعر الحب، في أعمق معانيه.

خارج نطاق الظاهري، العبارة "الأمر يبدو صائبًا بالنسبة لي"، تعترف بقوة الإيروتيكية داخل المعرفة الحقيقية، ما يعنيه ذلك هو أول وأقوى نور مرشد نحو أية عملية فهم. والفهم هو خادمة يمكن أن تٌبقِي فقط، أو توضح، تلك المعرفة، المتولدة بعمق. الإيروتيكية هي المربي أو المربية لكل معرفتنا العميقة.

الإيروتيكية بالنسبة لي تعمل بطرق عديدة، الطريقة الأولى هي بتوفير الطاقة التي تأتي من تقاسم عميق لأي سعي مع شخص آخر. تقاسم الفرح، سواء جسدي، عاطفي، نفسي، أو فكري، يشكل جسرًا بين المتشاركين، والذي يمكن أن يكون أساسًا لفهم الكثير مما ليس متشاركًا بينهم، ويقلل من خطر فروقاتهم.

طريقة أخرى مهمة يعمل بها الاتصال الإيروتيكي هي التوكيد المفتوح والشجاع لمقدرتي على الفرح، الطريقة التي يتمدد بها جسدي للموسيقى وينفتح باستجابة، والاستماع إلى أعمق إيقاعاتها، وبذلك أشعر بأن كل مستوى ينفتح أيضًا على التجربة الإيروتيكية المُرضية سواء كانت رقصًا، بناء خزانة كتب، كتابة قصيدة، أو دراسة فكرة.

هذا الاتصال الذاتي المشترك هو مقياس لمدى الفرح الذي أعرف أنني قادرة على الشعور به، تذكرة بقدرتي على الشعور. وتلك المعرفة العميقة والتي لا يمكن تعويضها لقدرتي على الفرح تأتي لتطالب كل حياتي بأن تعاش داخل المعرفة بأن مثل هذا الرضا ممكن، وليس من الضروري أن يدعى الزواج، ولا الرب، ولا الحياة بعد الموت.

هذا هو أحد الأسباب لم يخاف الجميع من الإيروتيكية، وتترك لتذهب وحيدة إلى غرفة النوم، ذلك لو عُرِفَت من الأساس. لمرة واحدة نبدأ بالإحساس بعمق بكل جوانب حياتنا، نبدأ في مطالبة ذواتنا ومتطلبات حياتنا بأن يشعروا بالتوافق مع ذلك الفرح الذي نعرف أننا قادرين عليه. معرفتنا الإيروتيكية تُمكنُنا، تصبح العدسة التي من خلالها ندقق في جميع جوانب وجودنا، وتجبرنا على تقييم تلك الجوانب بصدق بشروط معناها النسبي خلال حياتنا. وهذه مسؤولية جسيمة، تنتظر من داخل كل واحد منا، أن لا يتوافق مع الملائم،الزائف، المتوقع تقليديًا، أو الآمن بالكاد.

خلال الحرب العالمية الثانية، اشترينا عبوات بلاستيكية مختومة من السمن الأبيض عديم اللون، مع حبيبات كثيفة صغيرة ذات لون أصفر تطفو مثل أحجار كريمة ملونة داخل الجلد النقي للعبوة. كنا نترك السمن لفترة من الوقت ليلين، وبعد ذلك ننتشل الحبيبات الصغيرة لنكسرها داخل العبوة، لنخرج الاصفرار الغني في الكتلة الشاحبة الناعمة من السمن. ثم نأخذها بعناية بين أصابعنا، ونعجنها برفق، مرارًا وتكرارًا، حتى ينتشر اللون في جميع أنحاء عبوة السمنة، لتصبح ملونة بدقة.

أجد الإيروتيكية كنواة داخل نفسي. عندما تتحرر من حبيباتها المكثفة والمقيدة، تطفو وتلون حياتي بنوع من الطاقة التي تضاعف وتحسس[2] وتقوي كل خبرتي.

لقد تربينا على الخوف من الـ"نعم" داخل ذواتنا، وأعمق رغباتنا. ولكن، حالما نميز ذلك، أولئك الذين لا يحسنون مستقبلنا يفقدون قوتهم ويمكن تغييرهم. الخوف من أعمق رغباتنا يبقيها مشبوهة وقوية بشكل عشوائي، لأن كبت أي حقيقة هو بمثابة إعطاءها قوة فوق المحتمل. الخوف من أننا لا نستطيع أن ننمو خارج كل التشوهات التي نجدها داخل ذواتنا يبقينا منصاعين، وفيين ومطيعين، وخارجيًا يعرفنا، ويقودنا لقبول جوانب عديدة من الظلم الواقع علينا كنساء.

عندما نعيش خارج ذواتنا، وبهذا أعني على توجيهات خارجية فقط بدلًا من معرفتنا واحتياجاتنا الداخلية، عندما نعيش بعيدًا عن تلك الإرشادات الإيروتيكية داخل أنفسنا، إذن فحياتنا ستقتصر على أشكال خارجية وغريبة، وسنتفق مع الاحتياجات الهيكلية التي لا تستند إلى الحاجة الإنسانية، ناهيك عن حاجة الأفراد. ولكن عندما نبدأ في العيش ضمن الخارج، في اتصال مع قوة الإيروتيكية داخل ذواتنا، ونتيح لتلك السلطة توضيح وإنارة أعمالنا على العالم من حولنا، حينها سنبدأ في أن نكون مسؤولين تجاه ذواتنا في أعمق معانيها. لأنه عندما نبدأ في التعرف على أعمق مشاعرنا، نبدأ في التخلي، عن الضرورة، والرضا بالمعاناة، وإنكار الذات، والخدر الذي يبدو في كثير من الأحيان وكأنه البديل الوحيد في مجتمعنا. أفعالنا تجاه القمع تصبح جزءًا لا يتجزأ من الذات، الدوافع والتمكين الداخلي.

بالاتصال مع الإيروتيكية، أصبحت أقل استعدادًا لقبول الشعور بالعجز، أو تلك الحالات الأخرى الموردة من الوجود والتي ليست أصلية بالنسبة لي، مثل الاستسلام، اليأس، محو الذات، الاكتئاب، وإنكار الذات.

ونعم، هناك تسلسل هرمي. هناك فرق بين رسم سياج أسود وكتابة قصيدة، فهي واحدة فقط في الكمية. وليس هناك فرق، بالنسبة لي، بين كتابة قصيدة جيدة والانتقال إلى أشعة الشمس قبالة جسد المرأة التي أحب.

هذا يقودني للدرس الأخير في الإيروتيكية. تقاسم قوة مشاعر بعضنا البعض تختلف عن استخدام مشاعر الآخر كما لو أنها كلينيكس. عندما ننظر في الاتجاه الآخر من تجربتنا، الإيروتيكية أو خلاف ذلك، فنحن نستخدم مشاعر أولئك الآخرين الذين يشاركون في التجربة معنا بدلًا من أن نتشاركها. والاستخدام دون موافقة المُستخدَم إساءة.

على مشاعرنا الإيروتيكية أن تُعَرف لكي تستخدم. الحاجة إلى تقاسم شعور عميق هي حاجة إنسانية. ولكن في إطار التقاليد الأوروبية-الأمريكية، أشبعت هذه الحاجة من خلال بعض المحظورات الإيروتيكية المجتمعة معًا. هذه المناسبات تميز دائمًا بإشاحة نظر متزامنة تقريبًا، وتظاهر بدعوتها بشيء آخر، سواء دين، نوبة، عنف غوغائي، أو حتى لعبة الطبيب. إعطاء اسم مغلوط للحاجة والفعل تؤدي إلى ذلك التشوه الذي ينتج في المواد الإباحية والبذاءة - والإساءة للشعور.

عندما ننظر بعيدًا عن أهمية الإيروتيكية في تطوير وتغذية قوتنا، أو عندما ننظر بعيدًا عن ذواتنا ونحن نلبي احتياجاتنا الإيروتيكية في حفل مع آخرين، فنحن نستخدم بعضنا البعض كأغراض إشباع بدلًا من تبادل فرحنا بالإشباع، بدلًا من خلق تواصل بين أوجه التشابه والاختلاف لدينا. رفض أن تصبح مُمَكنًا قد يبدو، كإنكار لجزء كبير من الخبرة، بأن نسمح لأنفسنا بالخضوع للإباحية، وسوء المعاملة، والسخف.

الإيروتيكية لا يمكن أن تحس وكأنها مستعملة. كنسوية سوداء ومثلية، لدي إحساس معين، معرفة، وفهم لأولئك الشقيقات اللاتي رقصت معهن بشدة، لعبت، أو تقاتلت حتى. هذه المشاركة العميقة غالبًا ما كانت الإشارة إلى اتخاذ إجراءات متضافرة مشتركة لم تكن ممكنة من قبل.

ولكن هذه التهمة الإيروتيكية لا يمكن مشاركتها بسهولة مع النساء الذين يواصلن العمل بموجب التقاليد الذكورية الأوروبية الأمريكية حصرًا. أعلم أن هذا لم يكن متاحًا لي عندما كنت أحاول أن أكيف وعيي تجاه هذا النمط من العيش والإحساس.

الآن فقط، أجد المزيد والمزيد من النساء يحددن أن النساء شجاعات بشكل كافٍ للمخاطرة بتبادل الشحنات الكهربائية الإيروتيكية دون الحاجة إلى النظر بعيدًا، ودون تشويه الطبيعة القوية جدًا والخلاقة لهذا التبادل.

الاعتراف بقوة الإيروتيكية داخل حياتنا يمنحنا الطاقة لتحقيق التغيير الحقيقي داخل عالمنا، بدلًا من تكييف لشخصيات متناوبة في نفس الدراما المضجرة.

ليس فقط لأننا نلمس مصدرنا الأكثر إبداعًا وعمقًا، ولكن لأننا نفعل ذلك الذي هو أنثوي ومؤكد للذات في مواجهة العنصرية والأبوية، والمجتمع المناهض للايروتيكية.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] فضلت ترجمة الكلمة الإنجليزية unintentional بالعرضيين لنقرب المعنى في اللغة؛ واستخدمناها كاشتقاق من الكلمة عرضي.

[2] جعلها حساسة أكثر.

 


**نشر هذا المقال على الموقع الإلكتروني لمجموعة اختيار لدراسات وأبحاث النوع الاجتماعي ضمن سلسلة من المقالات التي تم نقلها للغة العربية في إطار مجموعة قراءة (ما بين أنفسنا والهوية).

لقراءة مقالات أخرى على الموقع الألكتروني للمجموعة اضغط هنا.