Showing posts with label فلاديمير نابوكوف. Show all posts
Showing posts with label فلاديمير نابوكوف. Show all posts

Tuesday, December 7, 2021

رسالة إلى فيرا؛ فلاديمير نابوكوف

ترجمة: سماح جعفر




 [برلين]


حُلوتي، حبي، حياتي، لا أفهم أي شيء: لم لست معي؟ أن معتادٌ عليك بشكل أزلي، بحيث أحس الآن بأنني ضائع وفارغ: دونك يا روحي. لقد حولتي حياتي إلى شيء مضيء، رائع، قوس قزحي - لقد وضعتي وَمضَة من السعادة في كل شيء - مختلفة دائمًا: أحيانًا يمكن أن تكوني زَهرِيّة، زَغَبيّة، وأحيانًا داكنة، مُجَنَّحة - ولا أعرف متى أحب عينيك أكثر - حين تكون مفتوحة أم مغمضة. الساعة الآن الحادية عشر مساءً: أحاول بكل القوة في روحي أن أراك عبر المسافة؛ تقدم أفكاري فيزا سماوية إلى برلين عبر الهواء ... يا حماسي الحلو.


اليوم لا أستطيع الكتابة عن أي شيء سوى شوقي لكي. أنا كئيب وخائف: الأفكار السخيفة تحتشد - أفكر أنك ستتعثرين وأنت تقفزين من عربة المترو، أو أن شخصًا ما سيصطدم بك في الشارع ... لا أعرف كيف سأصمد خلال هذا الأسبوع.


رقتي وسعادتي أي الكلمات يمكن أن أكتبها لك؟ كم هو غريب أنه على الرغم من أن عمل حياتي هو تحريك قلم فوق ورقة، إلا أنني لا أعلم كيف أخبرك كم أحبك، وكم أرغب بك. ياله من اِنفِعَال - ياله من سلام إلهي: تغرق الغيوم الذائبة في أشعة الشمس - تلالٌ من السعادة. وأنا أطفو معك، داخلك، مُتّقِد وذائب - والحياة الكاملة معك تشبه حركة السحب، سقوطها الجوِّي والهادئ، خفتها ونعومتها، والتنوّع السماوي للتخطيط والتظليل - حبي المتعذر. لا أستطيع التعبير عن هذه الأحاسيس السمحاق ركامية[1].


حين كنا في المقبرة في المرة الأخيرة، شعرت بذلك بشكل خارق وواضح: أنت تعرفين كل شيء، تعرفين ما سيحدث بعد الموت - تعرفين بكل بساطة وهدوء - كما يعرف الطائر حين يرفرف من فرع أنه سيطير ولن يسقط ... ولهذا أنا سعيد جدًا معك، يا جميلتي، يا صغيرتي. وإليك المزيد: أنت وأنا مميزان جدًا؛ المعجزات التي نعرفها، لا يعرفها أحد، ولا أحد يحب بالطريقة التي نحب بها.


ماذا تفعلين الآن؟ لسبب ما، أعتقد أنك في المكتب: لقد نهضتي، مشيتي نحو الباب، سحبتي طرفي الباب معًا وتوقفت للحظة - في انتظار معرفة ما إذا كانا سينفصلان عن بعضهما مجددًا. أنا متعبٌ، متعبٌ للغاية، ليلة سعيدة يا فرحتي. غدًا سأكتب لك عن كل الأشياء اليومية. 


يا حبيبتي.


ف.




[1] السمحاق الركامي (بالإنجليزية: Cirrocumulus)‏، هي غيوم تتشكل على ارتفاع 5000 إلى 12 ألف متر (16000 إلى 39000 قدم)، تظهر بشكل نُدف صغيرة ومدورة وغالباً بصفوف طويلة، وهي عادةً بيضاء اللون، وعادة ما تتشكل فقط كجزء من مرحلة انتقالية قصيرة العمر داخل منطقة من السحب السمحاقية.




Saturday, June 22, 2013

العاصفة الرعدية؛ فلاديمير نابوكوف

ترجمة: سماح جعفر 





في زاوية أحد شوراع برلين الغربية، والذي لا يمكن وصفه سوى بالعادي، تحت مظلة من الزيزفون المزدهر بالكامل، كنت محاطًا بعطر شرس. كتل من الضباب كانت تتصاعد في السماء الليلية، وعندما استوعب أخر نجم ممتلئ الرياح، شبح أعمى يغطى وجهه بأكمامه عبر منخفضًا خلال الطريق المهجور. في ظلمة داكنة، فوق المصراع الحديدي لصالون الحلاقة، درعه المعلق مثل حوض مطلي بالذهب المتقشر كان يتأرجح مثل بندول.

عدت إلى المنزل ووجدت الرياح تنتظرني في الغرفة: وقد أغلقت بعنف إطار النافذة ونظمت ارتدادًا سريعًا عندما أقفلت باب الغرفة خلفي. تحت نافذتي كان هناك فناء عميق، حيث في وضح النهار، القمصان، تصلب تحت الشمس المشرقة على حبل الغسيل، وتسطع خلال شجيرات الليلك. خارج الفناء كانت الأصوات تتعالى من حين إلى أخر: النباح الحزين للرجال ذوي الملابس البالية أو المشترين بزجاجاتهم الفارغة؛ أحيانًا، عويل كمان أعرج؛ ومرة، امرأة شقراء بدينة وقفت وسط الفناء وتحطمت إلى أغنية جميلة جعلت الخادمات يتكئن خارج جميع النوافذ، محنيات أعناقهن العارية، ثم، عندما انتهت، كان هناك لحظة سكون خارقة؛ قطعتها صاحبة المكان، وهي أرملة قذرة، كان يمكن سماعها وهي تنتحب وتنفخ أنفها في الرواق.

في ذلك الفناء تفاقمت الآن كآبة خانقة، لكن الرياح العمياء، التي انزلقت بلا حول ولا قوة في أعماقها، بدأت مجددًا في الصعود عاليًا، وفجأة استعادت بصرها مكتسحة. وعلى فتحات الكهرمان في الحائط الأسود المقابل، الصور الظلية للأذرع والرؤوس الشعثاء بدأت تثب، بينما نوافذ الهروب بدأت تنقبض وانغلقت أطرها بصدى وحزم. انطفأت الأضواء. جاء في اللحظة التالية سيل من الأصوات المملة، صوت رعد بعيد جاء إلى الحيز، وبدأ يتشقلب عبر السماء البنفسجية الداكنة. ثم مرة أخرى، نما السكون كما حدث عندما أنهت تلك المرأة المتسولة أغنيتها، وانقبض كفاها على صدرها الوافر.

في ذلك السكون غفوت، مرهقًا بفعل سعادة يومي، سعادة لا أستطيع وصفها بالكتابة، وحلمي كان مليئًا بك.

استيقظت لأن الليل بدأ يتحطم إلى أشلاء. بريق شاحب كان يحلق عبر السماء مثل انعكاس سريع لبرامق هائلة. تحطم تلو أخر مزق السماء. نزل المطر في تدفق واسع ورنان.

كنت منتشيًا بتلك الهزات المزرقة للبرد المتقلب الحريص. ذهبت إلى حافة النافذة الرطبة واستنشقت الهواء السماوي، والذي جعل قلبي يرن مثل زجاج.

أقرب من أي وقت مضى، أروع من أي وقت مضى، توغلت المركبة الرسولية عبر الغيوم. أضواء من الجنون، من الرؤى الثاقبة، أضاءت العالم الليلي، المنحدارت المعدنية للسقوف، وشجيرات الليلك المهجورة.

إله الرعد، عملاق أشيب ذو لحية غاضبة تتطاير فوق أكتافه بفعل الرياح، يرتدي طيات محلقة من الملابس المبهرة، يقف، يميل إلى الوراء في مركبته النارية، يُحجِمُ بذراعيه المتوترة جياده الهائلة السوداء، والتي بدت أعرافها كلهيب بنفسجي.

كانت قد أفلتت من سيطرة السائق ونشرت بريقًا من الزبد المطقطق، انحرفت المركبة وتعلق القائد المرتبك بالزمام عبثًا. كان وجهه قد شوه بسبب الرياح والإجهاد الشديد؛ أطارت الزوبعة طيات ملابسه بعيدًا، كاشفة ركبة الجبار؛ ألقت الجياد أعرافها الملتهبة وانطلقت بعنف أسرع من أي وقت مضى، أسفل، أسفل، على امتداد الغيوم. ثم، مع حوافر صاعقة، اندفعت عبر سقف لامع، ترنحت المركبة، ترنح إيليا، خبلت الجياد بلمسة المعدن البشري، وانطلقت نحو السماء مرة أخرى. رمي الرسول خارجًا. انفكت عجلة واحدة. ومن نافذتي رأيت طوقها الهائل الناري يقرع عبر السقف، يترنح على الحافة، ويقفز نحو الظلمة، بينما كانت الجياد تجر العربة المنقلبة، مسرعة على طول السحب العليا؛ خفتت الدمدمة، واختفى لهيب العاصفة في هوة غاضبة.

إله الرعد، الذي رمي على السقف، ارتفع بشدة. بدأت نعاله تنزلق وكسر نافذة ناتئة بقدمه، شخر، وبدفعة من ذراعه أمسك بمدخنة ليثبت نفسه. حرك ببطء وجهه العابس بينما كانت عيناه تبحثان عن شيء، ربما كان العجلة التي سقطت عن محورها الذهبي. ثم حملق للأعلى، وأصابعه تمسك بلحيته المنفوشة، هازًا رأسه بشكل متقطع، ربما هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها هذا الأمر، بدأ ينزل بحذر وهو يعرج بشكل طفيف.

بحماس كبير أبعدت نفسي عن النافذة، وأسرعت لأرتدي مبذلي، راكضًا عبر الدرج مباشرة نحو الفناء. هدأت العاصفة ولكن زخات من المطر لا زالت باقية في الهواء. ومن الشرق شحوب رائع كان يغزو السماء.

الفناء، والذي كان يبدو من أعلى مغطى بظلمة كثيفة، لم يتضمن، في الواقع، شيئًا أكثر من ضباب حساس منصهر. وفي رقعته المركزية من العشب ومغطى بالندى، وقف رجل عجوز هزيل ومنحني الكتفين في رداء مبلل يدمدم شيئًا وينظر حوله. عندما رآني، رمش بغضب وقال، "هذا أنت، إليشع؟"

انحنيت. قرقر الرسول لسانه، وهو يحك في هذه الأثناء بقعته البنية الصلعاء.

"فقدت عجلة. جدها لي، لو سمحت؟"

توقفت الأمطار. غيوم هائلة بلون اللهيب تجمعت فوق السقوف.

الشجيرات، الأسيجة، بيوت الكلاب اللامعة، كانت تطفو في الهواء الناعس المزرق من حولنا. تلمسنا لفترة طويلة مختلف الزوايا. ظل الرجل العجوز يشخر، رافعًا طرف ثوبه الثقيل، ناثرًا مياه البرك بصندله الملتف حول أصابعه، وقطرة مشرقة من العرق تتدلى من أرنبة أنفه الكبير العظمي. بينما أنحيتُ جانبًا فرعًا منخفضًا من الليلك، لاحظت، على كومة من القمامة، وسط الزجاج المكسور، عجلة حديدية صغيرة لابد تنتمي لعربة طفل. زفر الرجل تنهيدة ارتياح فوق أذني.

وعلى عجل، وبقليل من الفظاظة، نحاني جانبًا، نشل العجلة المتسخة. وبغمزة بهيجة قال: "إذًا فقد تدحرجت إلى هذا المكان."

"ثم حدق في وجهي، حاجبيه الأبيضان تجمعا في تقطيبة، وكما لو كان يتذكر شيئًا، قال بصوت مثيرٍ للإعجاب، "ابتعد، أليشع".

أذعنت، حتى أنني أغلقت عيني. وقفت كذلك لدقيقة أو أكثر، وبعدها لم أستطع التحكم بفضولي لوقت أطول.

كان الفناء فارغًا، عدا من كلب أشعث عجوز مع خطمه الأشيب يدفع رأسه خارج بيت الكلاب وينظر إلى أعلى، كما لو كان بشريًا، بعينين عسليتين خائفتين. نظرت إلى الأعلى أيضًا. أسرع إيليا إلى السقف، وطوق الحديد يتلألأ خلف ظهره. وفوق المداخن السوداء سحابة شفقية متجعدة تلوح في الأفق مثل جبل برتقالي، وخلفه، ثاني وثالث. حدقنا أنا والكلب الصامت معًا بينما كان الرسول، الذي وصل إلى قمة السطح، يصعد بشكل متأني على سحابة ويستمر بالصعود، وهو يدوس بشدة على كتل من اللهيب اليانع.

أشعة الشمس انطلقت خلال عجلته وعندها أصبحت ضخمة وذهبية، بدا إيليا نفسه ملتفًا باللهب الآن، ممتزجًا بالسحب النعيمية بكليته بينما يمشي لأعلى وأعلى حتى اختفى في الممر المجيد للسماء.

ثم حينها بدأ الكلب المتهالك نباحًا صباحيًا أجش. موجات ركضت عبر السطح البراق لبرك المطر. نسمات خفيفة حركت نبات إبرة الراعي على الشرفات.

استيقظت نافذتين أو ثلاثة. بنعالي المنقوعة ومبذلي البالي ركضت إلى الشارع لأتجاوز، أول عربة ترام ناعسة، ساحبًا أطراف مبذلي حولي، وضاحكًا بينما أركض. تخيلت كيف أنه خلال دقائق معدودة، سوف أكون في منزلك وأبدأ بإخبارك عن الحادث الجوي لتلك الليلة، وعن النبي العجوز الذي سقط في فنائي.



Friday, March 15, 2013

حوار نابوكوف لمجلة البلاي بوي

ترجمة: سماح جعفر







بديل أخر، بالتأكيد، كان شعرك ونثرك حسن الوقع في الأذن. كواحد من الكتاب القلائل الذين كتبوا بفصاحة بأكثر من لغة واحدة، كيف تميز الاختلافات التكوينية بين اللغة الروسية واللغة الإنجليزية، كونك تعتبر سهولتهما متساوية؟


في العدد الهائل من الكلمات، اللغة الإنجليزية هي أكثر ثراء بكثير من اللغة الروسية. هذا أمر ملحوظ لا سيما في الأسماء والصفات. هناك سمة مزعجة جدًا تظهرها اللغة الروسية، وهي الندرة، الغموض، والحماقة في المصطلحات التقنية. على سبيل المثال، التعبير البسيط "لركن السيارة" يأتي- إذا أعيدت ترجمته عن الروسية- كـ "لترك السيارة تقف لوقت طويل." الروسية، على الأقل اللغة الروسية الكيسة، رسمية أكثر من اللغة الإنجليزية الكيسة. وهكذا، فإن الكلمة الروسية لـ "الجنسي"- polovoy- هي كلمة غير لائقة قليلًا ولا يمكن قذفها في الأرجاء. الأمر نفسه ينطبق على الشروط الروسية في تقديم مختلف المفاهيم التشريحية والبيولوجية والتي يعرب عنها بشكل شائع وحميم في المحادثة الإنجليزية. من ناحية أخرى، هناك كلمات معينة تقدم فوارق دقيقة للحركة والإيماءة والعاطفة والتي تتفوق فيها اللغة الروسية. وذلك من خلال تغيير رأس الفعل، حيث يكون للمرء دزينة اختصارات مختلفة للاختيار من بينها، بإمكان المرء أن يجعل التعبير الروسي ظلًا جيدًا للغاية للبقاء والشدة. اللغة الإنجليزية، نحويًا، وسيط مرن للغاية، ولكن اللغة الروسية يمكن أن توفر تقلبات ومنعطفات أكثر دهاءًا. ترجمة الروسية إلى الإنجليزية هو أسهل قليلًا من ترجمة الإنجليزية إلى الروسية، وأسهل بعشر مرات من ترجمة الإنجليزية إلى الفرنسية.


لقد قلت أنك لن تكتب رواية أخرى باللغة الروسية. لماذا؟


خلال الحقبة الكبيرة والتي لا تزال مغمورة من الاغتراب الفكري الروسي- تقريبًا بين سنتي 1920 و 1940- الكتبُ كتبت باللغة الروسية من قبل مهاجرين روس، ونشرت بواسطة مؤسسات مهاجرين في الخارج، ويتم شراؤها أو إقتراضها بشغف من قبل قراء مهاجرين، ولكن سوف تحظر تمامًا داخل روسيا السوفييتية- كما أنه ما زالت (ما عدا في حالة بعض الكتاب المتوفين مثل كوبرين وبونين، والذين خضعت أعمالهم لرقابة شديدة قبل أن يعاد نشرها مؤخرًا)، بعض النظر عن موضوع القصة أو القصيدة. رواية المهاجر تنشر، لنقل، في باريس وتباع في كل أنحاء أوروبا الحرة، قد يكون في تلك السنوات، إجمالي ما بيع ألف أو ألفي نسخة- من شأنه أن يكون من أكثر الكتب مبيعا- ولكن كل نسخة ستمرر من يد إلى يد وسوف تقرأ من قبل ما لا يقل عن عشرين شخصًا، وربما خمسين شخصًا سنويًا إذا تم اقتراض النسخ التي تخزنها المكتبات الروسية، والتي يبلغ عددها المئات في غرب أوروبا وحدها. ويمكن أن يقال أن حقبة الاغتراب قد انتهت خلال الحرب العالمية الثانية. توفي الكتاب القدامى، إختفت دور النشر الروسية أيضًا، والأسوأ من ذلك كله، المناخ العام لثقافة المنفى، برونقه، وحماسه، ونقاءه، وقوته ذات الصدى، تضاءل إلى رشة من الدوريات الشهرية الصادرة باللغة الروسية، هُزال في الموهبة، وإقليمية في النبرة. الآن بأخذ حالتي: لم يكن الجانب المالي ما يهم حقًا، ولا أعتقد أن كتاباتي باللغة الروسية جلبت لي أكثر من بضع مئات من الدولارات سنويا على الإطلاق، أنا اؤيد الأبراج العاجية، وأؤيد الكتابة لإرضاء قاريء واحد- الذات نفسها. ولكن المرء يحتاج أيضًا بعض الأصداء، إن لم تكن استجابات، ومضاعفة معتدلة من ذات المرء في جميع أنحاء البلد أو البلدان؛ وأن لم يكن هناك شيء سوى الفراغ حول طاولة المرء، سيتوقع المرء أن يكون فراغًا رنانًا، وليس مقيدًا من قبل جدران مبطنة. مع مرور السنوات إهتمامي بروسيا بدأ يصبح أقل وأقل، وأصبحت غير مبال أكثر وأكثر بالفكرة المروعة، أن كتبي ستظل محظورة هناك طالما ظل ازدرائي لدولة البوليس والقمع السياسي منعني من استساغة الفكرة الغامضة لعودتي. لا، لن أكتب رواية أخرى باللغة الروسية، مع ذلك أسمح لنفسي ببعض القصائد القصيرة جدًا بين الحين والآخر. كتبت آخر رواية لي باللغة الروسية منذ ربع قرن. ولكن اليوم، للتعويض، بروح من العدالة لإلهامي الأمريكي، أفعل شيئًا آخر. ولكن ربما يجب أن لا نتحدث عنه في هذه المرحلة المبكرة.


أرجوك أفعل.


حسنًا، خطر لي يومًا ما - بينما كنت ألقي نظرة عابرة على الأعمدة متعددة الألوان من ترجمات لوليتا إلى لغات لا أقرأها، مثل اليابانية والفنلندية والعربية - أن قائمة الأخطاء الفادحة التي لا يمكن تجنبها في هذه الخمسة عشر أو عشرين إصدارًا من شأنها ربما، إذا جمعت، تكوين كتاب أكثر بدانة من حجم أي منها. لقد راجعت الترجمة الفرنسية، والتي كانت في الأساس جيدة للغاية ولكني وقفت على أخطاء لا مفر منها ولم أقم بتصحيحها. ولكن ماذا يمكن أن أفعل مع البرتغالية أو العبرية أو الدانمركية؟ ثم أتصور شيئًا آخر. خيل لي أنه في المستقبل البعيد قد ينتج شخص ما النسخة الروسية من لوليتا. لقد دربت تلسكوبي الداخلي على تلك النقطة المعينة في المستقبل البعيد ورأيت أن كل فقرة، كل علامة تنصيص كما هو الحال مع المزالق، يمكن أن تصلح كسوء ترجمة بشع. في يد كادح مؤذي، لذلك فإن النسخة الروسية من لوليتا سوف تكون متدهورة تمامًا وغير متقنة وغاصة بالصياغات المبتذلة والأخطاء. لذا قررت أن أترجم لوليتا بنفسي. حتى الآن لدي حوالي ستين صفحة جاهزة.


هل تعمل حاليًا على أي مشروع جديد؟


سؤال جيد، كما يقولون في الشاشة الصغيرة. لقد إنتهيت مؤخرًا من تصحيح المراجعات الأخيرة لعملي على "يوجين أونيجن" لبوشكين- أربع مجلدات قليلة الدهن، والتي سوف تظهر هذه السنة في سلسلة بولينيجن؛ الترجمة الفعلية للقصيدة تحتل جزءًا صغيرًا من المجلد الأول. باقي المجلد والمجلد الثاني، والثالث والرابع تحتوي على ملاحظات وفيرة حول هذا الموضوع. هذا العمل الفني يدين بولادته إلى ملاحظة عارضة ألقتها زوجتي في عام 1950- ردًا على اشمئزازي من إعادة صياغة القافية في "يوجين أونيجن"، حيث كان عليَّ مراجعة كل سطر لطلابي- "لما لا تقوم بترجمتها بنفسك؟" وهذه هي النتيجة. لقد استغرقت عشر سنوات من الكدح. المقدمة وحدها بلغت 5000 بطاقة بحثية في ثلاثة صناديق أحذية ضخمة؛ لقد رأيتهم بنفسك على ذلك الرف. ترجمتي، بطبيعة الحال، هي ترجمة حرفية، كمهد، مهر. وللإخلاص في النقل فقد ضحيت بكل شيْ: الأناقة، عذوبة اللحن، الوضوح، الذوق السليم، الاستخدام الحديث، وحتى النحوي.


نظرًا لهذه الثغرات المعترف بها، هل تتطلع قدمًا لقراءة الآراء النقدية حول الكتاب؟


أنا حقًا لا أقرأ الأراء النقدية حولي بأي حرص أو إهتمام خاص، ما لم تكن روائع من الطرافة والفطنة- الأمر الذي يحدث بين الحين والآخر. 


لا أعيد قراءتها مرة أخرى، على الرغم من أن زوجتي تجمع المواد، ومع ذلك ربما استخدم رشة من أكثر عناصر لوليتا طرافة لأكتب يومًا ما لمحة تاريخية حول محن الفتيات الجذابات. بيد أنني أتذكر بشكل واضح جدًا، بعض الهجمات، من قبل النقاد المهاجرين الروس، الذين كتبوا عن أول رواياتي منذ 30 سنة؛ ليس أنني كنت أكثر ضعفًا حينها، ولكن ذاكرتي كانت بالتأكيد أكثر قوة و مغامرة، وكنت ناقدًا أيضًا. في العشرينات تم خربشتي بواسطة موشوليسكي ما، والذي لم يستطع مطلقًا هضم لا مبالاتي المطلقة تجاه التصوف المنظم، الدين، الكنيسة- أي كنيسة. 


كان هناك نقاد أخرين لم يستطيعوا أن يغفروا لي بقائي بمعزل عن "الحركات" الأدبية، وعدم إذاعتي "القلق" الذي يريدون للشعراء أن يشعروا به، وعدم انتمائي لتلك المجموعة من الشعراء الذين يعقدون دورات للإلهام المشترك في الغرف الخلفية للمقاهي الباريسية. كانت هناك أيضًا القضية المسلية لجورجي إيفانوف، شاعر جيد، وناقد سوقي. لم ألتق به أبدًا أو بزوجته الأدبية ارينا اودفستف؛ ولكن أواخر عشرينات القرن أو بداية الثلاثينات، في الوقت الذي كنت أكتب فيه آرائي النقدية حول الكتب لصحيفة مهاجرين تصدر في برلين، أرسلت لي من باريس نسخة من روايتها مع إهداء ماكر "Spasibo za Korolya, damn, valeta*" (شكرا لجلالة الملك، الملكة، والعامي)- والتي كان لي حرية أن أفهمها "شكرًا لكتابة ذلك الكتاب،" ولكن يمكن أيضًا أن يوفر لها مع الحجة: "شكرًا لإرسال كتابك لي،" على الرغم من أنني لم أرسل لها أي شيء. كتابها أثبت أنه مبتذل حد الشفقة، وقد قلت ذلك في عرض موجز وبغيض، ردت إيفانوف بمقال شخصي فظيع حولي وحول أشيائي. إمكانية التنفيس أو استخلاص المشاعر الودية أو غير الودية بواسطة النقد الأدبي هو ما يجعل هذا الفن ملتويًا.


لقد نقل عنك قولك: متعي هي أكثر كثافة معروفة لدى الإنسان: صيد الفراشات والكتابة. هل هما متشابهين بأي شكل من الأشكال؟


لا، إنهما ينتميان أساسًا لأنواع مختلفة من المتع. ليس من السهل وصفها لشخصًا لم يجربها، وكل منها واضح للشخص الذي يبدو وصفها بالنسبة له بسيطًا ومكررًا. في حالة صيد الفراش أعتقد أنه بإمكاني التمييز بين أربعة عناصر أساسية. أولًا، أمل الإلتقاط - أو الإلتقاط الفعلي- للعينة الأولى من الأنواع غير المعروفة للعلم: هذا هو الحلم في الجزء الخلفي من عقل جامع الفراشات، سواء تسلق الجبال في غينيا الجديدة أو عبر مستنقعًا في ولاية ماين. ثانيًا، هناك الإمساك بفراشة نادرة جدًا أو محلية - أشياء إغتبطت بها في الكتب، في الاستعراضات العلمية الغامضة، على لوحات رائعة من الأعمال الشهيرة، والتي تراها الآن على الجناح، في بيئاتها الطبيعية، بين النباتات والمعادن التي تحصل على السحر الغامض من خلال الرابطة الحميمة مع النوادر التي تنتجها وتدعمها، لذا فالمناظر الطبيعية المعطاة تعيش مرتين: كبرية بهيجة في حد ذاتها أو كمطارد لفراشة معينة أو عثة. ثالثًا، هناك إهتمام علماء الطبيعة بتفكيك تواريخ حيوات الحشرات غير المعروفة، بالتعرف على عاداتها وبنيتها، وتحديد مركزها في مخطط التصنيف - مخطط يمكن في بعض الأحيان أن ينفجر بسرور، في عرض مبهر من الألعاب النارية الجدلية عندما يكدر إكتشاف جديد المخطط القديم ويربك أبطاله البلداء. رابعًا، على المرء أن لا يتجاهل عنصر الرياضة، الحظ، الحركة السريعة وقوة الإنجاز، في المسعى الحماسي الشاق الذي ينتهي في المثلث الحريري لفراشة مطوية ترقد في كف المرء.


ماذا عن ملذات الكتابة؟


أنها تتوافق تمامًا مع متعة القراءة، الغبطة، سعادة العبارة هي نفسها لدى الكاتب والقارئ: للكاتب الراضي والقارئ الممتن، أو- الذي هو نفس الشيء- للفنان ممتنًا للقوة غير المعروفة في عقله والتي إقترحت مجموعة من الصور والقارئ الفنان الذي ترضيه هذه التوليفة. كل قارئ جيد تمتع ببعض الكتب الجيدة في حياته فلماذا نقوم بتحليل مسرات يعلمها كلا الجانبين؟ أنا أكتب أساسًا للفنانين، الزملاء الفنانين، متابعي الفنانين. ومع ذلك، لا يمكنني أن أعطي تفسيرًا وافيًا لطلاب معينين في صفوف الأدب خاصتي، عن جوانب القراءة الجيدة- حقيقة أن تقرأ كتاب فنان بدون قلبك (القلب قاريء غبي بشكل ملحوظ)، وليس بعقلك وحده، ولكن بعقلك وعمودك الفقري. "سيداتي سادتي، ارتعاش العمود الفقري يخبرك بصدق بما يحس به المؤلف وما يودك أن تحسه". أتساءل لو كان بإمكاني أبدًا أن أقيس ثانية بأيدي سعيدة إتساع قاعة التدريس، والغطس في ملاحظاتي أمام الهاوية المتعاطفة لجمهور الكلية. 


ما هو رد فعلك على المشاعر المختلطة التي نفس عنها أحد النقاد في قراءة قامت بتشخيصك كصاحب عقل مميز وأصيل، ولكن " لا يتصف كثيرًا بشمول التفكير،" وكـ "الفنان النموذجي الذي يرتاب بالأفكار"؟


بنفس القدر من التفكير الشعائري، جامع فراشات فظ معين قام بنقد أعمالي في تصنيف الفراشات، متهمًا إياي بأني أهتم بالتفريعات والأشكال داخل الجنس الواحد أكثر من الأجناس والفصائل. هذا النوع من السلوك هو مسألة مزاج عقلي، كما أعتقد. الشخص حسنُ الذائقة أو فائق الثقافة لا يمكنه التخلص من الإحساس المنتشر بأن الكتاب، ليصبح عظيمًا، يجب أن يتعامل مع الأفكار العظيمة. أوه، أنا أعرف هذا النوع، النوع الكئيب! إنه يحب الغزل الجيد المتبل بتعليقات إجتماعية؛ يحب أن يميز أفكاره وانفعالاته في تلك الخاصة بالمؤلف؛ ويريد واحدة على الأقل من الشخصيات، لأن تكون ألعوبة الكاتب. لو كان أمريكيًا، فهو ذو اندفاعة دم ماركسي ، ولو كان بريطانيًا، فهو ذو وعي طبقي ساخر وحاد؛ وكذلك فهو يجد أنه أسهل بكثير أن يكتب عن أفكار بدلًا عن الكلمات؛ هو لا يدرك أنه ربما السبب في أنه لا يجد أفكارًا عامة خاصة بكاتب معين لأن تلك الأفكار المعينة لذلك الكاتب لم تصبح بعد أفكارًا عامة.


دوستويفسكي، الذي يعالج ثيمات مقبولة من قبل معظم القراء، وشاملة في كلا من نطاقها وأهميتها، يعتبر واحدًا من أعظم كتاب العالم. رغم ذلك فقد وصفته كـ "منتج إثارة رخيصة، أخرق، ورعاعي." لماذا؟


القاريء غير الروسي لا يدرك شيئين: ليس كل الروس يحبون دوستويفسكي كما يفعل الأمريكيون، وأن معظم الروس الذين يفعلون، يبجلونه باعتباره صوفيًا وليس فنانًا. كان نبيًا، صحفي هراء وكوميدي متسرع. أعترف أن بعض مشاهده، بعض نزاعاته الهائلة الهزلية مسلية للغاية. ولكن قتلته الحساسون وعاهراته المفعمات بالعاطفة ليس بالإمكان تحملهم لوهلة- من قبل هذا القاريء بأي حال.


أصحيح أنك دعوت هيمنغواي وكونراد "كُتاب كتب الفتية"؟


هذا بالضبط ما هم عليه. همنغواي هو بالتأكيد الأفضل من بين الإثنين؛ لديه على الأقل صوته الخاص، وهو صاحب تلك القصة القصيرة اللذيذة وعالية الجمالية، "القتلة." كذلك وصفه للأسماك قزحية الألوان والتبول الإيقاعي في قصة الأسماك الشهيرة، كان أمرًا رائعًا. ولكن لا أستطيع أن أمتثِل لأسلوب كونراد الشبيه بمتاجر العاديات، زجاجات السفن والقلادات الصدفية من الكليشيهات الرومانسية. ليس هناك شيء في أي من هذان الكاتبان أهتم لأن أكتبه بنفسي. على المستوى العقلي والعاطفي، هما صبيانيين بشكل يائس، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن بعض الكتاب المحبوبين الآخرين، الحيوانات الأليفة للغرف العمومية، عزاء ودعم طلاب الدراسات العليا، مثل- لكن بعضهم لا يزال حيًا، وأن أكره إيذاء الصبية الكبار الأحياء، بينما أولئك الأموات لم يدفنوا بعد. 


(نُشر الحوار، كاملًا، في الإصدارة الثانية من مجلة إكسير الثقافية، الخرطوم)


الجزء الأول من هذا الحوار: هنا

الجزء الثاني: هنا


Saturday, January 19, 2013

فلاديمير نابوكوف لمجلة البلاي بوي

ترجمة: سماح جعفر





أجراه: ألفين توفلر
(2/3)


لقد قضيت عشرين عامًا في أمريكا، ولا زلت لا تملك منزلًا أو مكانًا ثابتًا للإقامة هناك. قال بعض أصدقائك أنك تقيم بشكل متقطع في موتيلات، حجرات، شقق مفروشة، أو منازل مستأجرة من الأساتذة الذين يكونون في أجازات. هل تشعر بالقلق الشديد أو الغربة، مما يجعل فكرة الاستقرار في أي مكان تصبح مزعجة ؟

السبب الرئيسي، السبب الذي يعود لخلفيتي، كما أفترض، هو أن أي شيء أقل من نسخة مماثلة للأماكن التي كانت تحيط بي في طفولتي لن يكون مرضيًا بالنسبة لي. لن أستطيع أبدًا مماثلة ذكرياتي بشكل صحيح-- فلما أتكبد عناء تقريب ميئوس منه؟ ثم أن هناك بعض الاعتبارات الخاصة: على سبيل المثال، مسألة الزخم، عادة الزخم. لقد دفعت نفسي خارج روسيا بحزم، وبقوة ساخطة، ولقد أصبحت أتدحرج جيئة وذهابًا منذ ذلك الحين.

صحيح أنني تدحرجت وعشت حتى أصبحت هذا الشيء الفاتح للشهية، "حائز على درجة الأستاذية"، ولكن بقلبي لازلت أتذكر ذلك "المحاضر الزائر الهزيل." المرات القليلة التي أخبرت فيها نفسي، في أي مكان: "الآن، هذه بقعة جميلة لإنشاء منزل دائم"، أسمع على الفور في عقلي عاصفة ثلجية تحمل ألاف الأماكن بعيدًا، أماكن سوف أدمرها بواسطة فعل البقاء في زاوية محددة من الأرض.

وأخيرًا، أنا لا أهتم كثيرًا بالأثاث، بالطاولات والكراسي والمصابيح والسجاد وغيرها من الأشياء- ربما لأنه في طفولتي الغنية تعلمت أن أنظر بازدراء مسلي لكل ارتباط جاد بالثروة المادية، لذلك لم أحس بأي أسف أو مرارة عندما ألغى قيام الثورة تلك الثروة.


لقد عشت في روسيا لعشرين عامًا، وفي أوروبا الغربية لعشرين عامًا، وفي أمريكا لعشرين عامًا أخرى. لكن في عام 1960، بعد نجاح لوليتا، انتقلت إلى فرنسا وسويسرا ولم تعد أبدًا إلى الولايات المتحدة. هل يعني هذا، أنه بالرغم من تحديدك للهوية الذاتية الخاصة بك ككاتب أمريكي، إلا أنك تعتبر أن دورتك الأمريكية قد انتهت؟

أنا أعيش في سويسرا لأسباب خاصة بحتة - أسباب عائلية ومهنية أيضًا، مثل بعض البحوث الخاصة لكتاب خاص. آمل في العودة قريبًا جدًا لأمريكا - إلى رفوف المكتبة والممرات الجبلية. الترتيب المثالي سيكون شقة في نيويورك عازلة للصوت تمامًا، في طابق علوي - لا أقدام تمشي أعلاها، لا موسيقى ناعمة في أي مكان – أو بيت من طابق واحد في الجنوب الغربي. أحيانا أعتقد أنه قد يكون من المرح أن أزور إحدى الجامعات مرة أخرى، أن أقيم وأكتب هناك، أن لا أقوم بالتدريس، أو على الأقل لا أقوم بالتدريس بشكل منتظم.


في الوقت نفسه لا تزال منعزلًا- ومستقرًا إلى حد ما، من خلال كل التقارير- في جناحك في الفندق. كيف تقضي وقتك؟

في الشتاء أستيقظ حوالي الساعة السابعة: منبهي هو غراب أعصم من جبال الألب، شيء لامع ، أسود، بمنقار أصفر طويل- يزور شرفتي ويصدر إيقاعات ضاحكة مكتومة. لفترة أظل راقدًا في السرير مراجعًا ومخططًا لأشياء في عقلي. حوالي الساعة الثامنة: أحلق، أتناول إفطاري، أتوج بالتأمل، وأخذ حمامًا- بهذا الترتيب. ثم أعمل في مكتبي حتى موعد الغداء، ثم أخذ استراحة قصيرة للتمشية على طول البحيرة مع زوجتي. عمليًا جميع الكتاب الروس المشاهير في القرن التاسع عشر هاموا هنا في وقت أو أخر. تشايكوفسكي، غوغول، دوستويفسكي، توليستوي- والذي كان يتودد للخادمات في الفندق على نحو يضر بصحته- والعديد من الشعراء الروس. ولكن، بغض النظر عن ما يمكن أن يقال عن نيس أو روما، فأنا أتغذى حوالي الواحدة ظهرًا، وأعود لطاولتي في الواحدة والنصف، أعمل بثبات حتى السادسة والنصف مساءً. ثم أذهب في نزهة لكشك الجرائد الإنجليزية، وأتناول عشائي في السابعة. لا أعمل بعد العشاء. وأوي للفراش حوالي الساعة التاسعة مساءً. أقرأ حتى الحادية عشر والنصف، وأتنازع مع الأرق حتى الواحدة. نحو مرتين في الأسبوع أحصل على كابوس جيدٍ طويل به شخصيات غير مرغوبة تم استيرادها من أحلام سابقة، تظهر بشكل متكرر دائمًا في المناطق المحيطة- ترتيبات متلونة من انطباعات مكسورة، شظايا من أفكار اليوم، صور ميكانيكية غير مسئولة، تفتقر تمامًا لأي أثر أو تفسير فرويدي. ولكنها شبيهة بشكل فريد بموكب جنائزي من الشخصيات المتغيرة التي يراها المرء عادة على شاشة الجفن الداخلية حين يغمض عينيه على الضجر.


المضحك أن الأطباء السحرة ومرضاهم لم يصلوا إلى هذا التفسير البسيط والمرضي تمامًا عن الحلم. هل صحيح أنك تكتب واقفًا، وأنك تكتب بخط اليد وليس على الآلة الكاتبة؟

نعم. لم أتعلم مطلقًا الطبع على الآلة الكاتبة. عادة أبدأ يومي على طاولة كتابة قديمة محببة في مكتبي. في وقت لاحق، عندما أشعر بالثقل يقضم ربلة ساقي، أجلس على كرسي مريح بجانب طاولة كتابتي المعتادة؛ وأخيرًا، عندما يتسلق الثقل إلى عمودي الفقري، أستلقي على أريكة صغيرة في أحد أركان مكتبي. إنه طقس كهولة. لكن عندما كنت صغيرًا، في العشرينيات وبداية الثلاثينيات من العمر، كنت عادة أبقى طوال اليوم في الفراش، أدخن وأقرأ. الآن، تغيرت الأمور. النثر الأفقي، المقاطع الشعرية العمودية، وعادة الجلوس تظل تقايض المؤهلات وتفسد الجناس.


هل يمكنك أن تخبرنا أكثر عن العمليات الإبداعية المعنية بإنبات الكتاب- ربما من خلال قراءة بعض الملاحظات العشوائية أو المقتطفات من أحد الأعمال التي لا زالت غير مكتملة؟

بالتأكيد لا. لا يتوجب على جنين الخضوع لعملية جراحية استكشافية. لكن بإمكاني أن أقوم  بشيء أخر. هذا الصندوق يحتوي على فهرس بطاقات بها بعض الملاحظات التي كتبتها في الآونة الأخيرة وتخلصت منها عندما شرعت في كتابة "نار شاحبة". مثل كمية معدة من الرفض. ألقي نظرة. "سيلين، القمر. سيلينغينسك، مدينة قديمة في سيبريا: مدينة إطلاق الصواريخ للقمر" ... "بيري: المقبض الأسود على مشروع قانون إخراس البجع" ... "الديدان: يرقات صغيرة معلقة على خيط" ... "في مجلة بون تون الجديدة، المجلد الخامس، عام 1820، الصفحة 312، البغايا يطلق عليهن اسم "فتيات المدينة" ... "أحلام الشباب: نسيان البنطال؛ أحلام الكهولة: نسيان الأسنان الاصطناعية" ،.. "يوضح الطالب أنه عندما يقرأ رواية فإنه يفضل تخطي الفقرات "وذلك للحصول على فكرته الخاصة حول الكتاب دون تأثير من الكاتب" ... "الطب التصحيحي: أقبح كلمة في اللغة".

"وبعد المطر، على الأسلاك، طائر، اثنان، ثلاثة، ولا شيء، إطارات موحلة، شمس"... "وقت بلا وعي- عالم حيواني أدنى؛ وقت بوعي- رجل- وعي بلا وقت- بعضهم لا يزال في مكانة أعلى" ... "لا نفكر في الكلمات بل في ظلال الكلمات. خطأ جيمس جويس في تداعياته العقلية الرائعة تلك، أنه أعطى جسدًا لفظيًا أكثر مما ينبغي للأفكار" ... " سخرية التهذيب: هذا التعبير الفذ "أرجوك" - "أرجوك أرسل لي ... الجميل" والتي ترسلها الشركات بغباء في نماذج مطبوعة للأشخاص الذين يطلبون منتجاتهم." ...

"دون توقف ساذج، زقزقة-زقزقة تغريد دجاجات بصناديق كئيبة في وقت متأخر، في وقت متأخر من الليل، في منصة محطة متجمدة مهجورة" ... "العنوان الرئيسي للتابلويد قاتل تورسو ربما يهزم الكرسي الكهربائي ربما تترجم:

Celui qui tw an buste peat bien battre une chaise

"بائع الصحف، ناولني صحيفة بها قصتي: أرى أنك خلفت بقعًا". "الثلج يتساقط، أب شاب مع طفل صغير في الخارج، بأنف مثل كرزة وردية. لماذا يقوم الوالد على الفور بإخبار شيء لابنه أو ابنته إذا قام غريب بالابتسام؟ "بالتأكيد" رد الأب على استجوابات الرضيع المقهقهة، والتي استمرت لبعض الوقت، والتي كان يمكن أن تُترك لتختفي في الجليد المتساقط، ألم أبتسم عندما مررت بهم" ... "بين الأعمدة: سماء زرقاء داكنة بين عمودين أبيضين." ... "اسم مكان في جزر اوركني: بابيليو" ... "لا، أيضًا، تعيش في أركاديا، لكن "أنا" قال الموت، حتى أنا أعيش في أركاديا"- أسطورة على ضريح الراعي (ملاحظات واستفسارات، 13 يونيو 1868، صفحة 561)" ... "مارات يجمع الفراشات" ... "من وجهة نظر جمالية، الدودة الشريطية هي بالتأكيد ساكن غير مرغوب فيه. كحامل الشرائح الذي يزحف باستمرار خارج القناة الشرجية للمرء، وأحيانًا، في سلاسل، ويتم الإبلاغ عنه كنوع من الإحراج الاجتماعي." (آن. أن. واي. اكاد. ساي. 48:558).


ما الذي ألهمك جمع وتسجيل مثل هذه الانطباعات المتقطعة والاقتباسات؟

كل ما أعرفه أنه في مرحلة مبكرة جدًا من تطور الرواية تتملكني هذه الرغبة في جمع قطع من القش والزغب، وأكل الحصى.

لن يكتشف أحدٌ أبدًا مدى وضوح تخيل الطائر، أو إذا كان يتخيل على الإطلاق عش المستقبل والبيض الذي بداخله. عندما أتذكر لاحقًا القوة التي جعلتني أدون الأسماء الصحيحة للأشياء، أو قياسات وصبغات الأشياء، حتى قبل أن أصبح بحاجة للمعلومات، أميل لافتراض أن ما أسميه -لعدم وجود مصطلح أفضل- "إلهام" هو موجود مسبقًا في العمل، مشيرًا بصمت إلى هذا أو ذاك، يجعلني أجمعُ مواد معروفة لبنية غير معروفة. بعد الصدمة الأولى للاعتراف- إحساس بأن "هذا ما أريد أن أكتبهُ"- الرواية تبدأ بالتوالد ذاتيًا؛ العملية تستمر مطولًا فقط في العقل، وليس في الورقة؛ ليكون معلومًا ليدي المرحلة التي وصلت إليها في أية لحظة، لا يتوجب علي معرفة كل عبارة متطابقة. أحس بنوع من التطور الداخلي غير المتجعد الناعم، وأعرف أن التفاصيل موجودة هناك بالفعل، وأنه يمكنني في واقع الأمر رؤيتها بوضوح إذا نظرت بشكل أقرب، أو إذا فتحت الآلة ونظرت إلى حجرتها الداخلية؛ ولكنني أنتظر حتى يقوم الشيء الفضفاض الذي يسمى "إلهام" بإكمال المهمة لي.

تأتي لحظة حيث أعلم بأن الهيكل بأكمله قد اكتمل. كل ما علي هو خطه بقلم رصاص أو حبر. حيث يصبح هذا الهيكل منارًا خافتًا في عقلي، ويمكن مقارنته برسم، حيث أنه لا يتوجب علي العمل عليه من اليسار إلى اليمين لتبين التصور الصحيح، ربما أوجه مصباحي إلى أي جزء أو جسيمة من الصورة عندما أبدأ في الكتابة.

لا أبدأ روايتي في البداية. لا أصل للفصل الثالث قبل أن أصل إلى الفصل الرابع، لا أمضى من صفحة إلى الأخرى بدافع من الواجب، وكذلك على التوالي؛ لا، أختار قليلًا من هنا وقليلًا من هناك، حتى أشغل كل الثغرات في الورقة. لذلك أفضل أن أكتب قصصي ورواياتي في دفاتر مفهرسة، وأرقمهم لاحقًا عندما أنتهي تمامًا. كل ورقة كتبت عدة مرات. حوالي ثلاث ورقات من دفتري تساوي ورقة واحدة مطبوعة، ثم عندما أحس أنني نسخت الصورة المتخيلة بكل الإخلاص الجسدي الممكن- شواغر كثير تظل باقية، للأسف- أقوم بإملاء الرواية على زوجتي، التي تطبعها في ثلاث نسخ.


بأي معنى تنسخ "الصورة المتخيلة" لرواية؟

الكاتب المبدع يجب أن يقرأ بإمعان أعمال منافسيه، بما في ذلك إلاله. لابد أن يمتلك القدرة الفطرية، ليس فقط على إعادة التوحيد ولكن أيضًا على إعادة خلق العالم المعطى. لأجل القيام بذلك على نحو كاف، وتجنب الازدواجية في العمل، على الفنان أن يعرف العالم المعطى. الخيال بلا معرفة لا يؤدي سوى للفناء الخلفي للفن البدائي، خربشة طفل على السياج، ورسالة رافعة في السوق. الفن لم يكن أبدًا بسيطًا.

بالعودة إلى أيام إلقائي المحاضرات: أعطي علامات منخفضة تلقائيًا عندما يستخدم الطالب عبارة "صادق وبسيط" - "فلوبير دائمًا يكتب بأسلوب صادق وبسيط" - تحت انطباع أن هذه أعظم مجاملة يمكن أن تدفع للنثر أو الشعر. عندما أنتزع العبارة خارجًا، وهو ما قمت به بغضب شديد بواسطة قلم الرصاص، حد أنني مزقت الورقة، اشتكى الطالب أن هذا ما كان أساتذته يرددونه عليه دائمًا: "الفن بسيط، الفن صادق." يجب علي يومًا ما أن أتعقب هذه الفظاظة السخيفة حتى مصادرها. مُدرسة قاسية من أوهايو؟ مؤخرة تقدمية في نيويورك؟ لأنه، بالطبع، الفن في أعظم صوره مخادع ومعقد بطريقة مذهلة.

فيما يتعلق بالفن الحديث، الرأي النقدي منقسم بشأن الصدق أو الخداع، البساطة أو التعقيد، في الرسم التجريدي المعاصر. ما رأيك؟

أنا لا أرى أي فرق جوهري بين الفن التجريدي والبدائي. كلاهما بسيط وصادق. وبطبيعة الحال، لا ينبغي لنا التعميم في مثل هذه الأمور: الفنان الفرد هو المهم. ولكن إذا قبلنا للحظة الفكرة العامة عن "الفن الحديث"،عندها علينا أن نعترف بأن المشكلة معه هو أنه شائع جدًا، مقلد، وأكاديمي.

بكل بساطة تحل لطخات وبقع محل كتلة جمال المئة عام الماضية، صور فتيات إيطاليات، شحاذون وسماء، تخريب الرومانسية، وهكذا دواليك. ولكن فقط، بين تلك الشحوم المبتذلة، ربما يظهر فنان حقيقي مع لعبة أكثر ثراء للضوء والظل، مع نزعة أصلية من العنف والرقة، لذلك ضمن ابتذال الفن البدائي أو التجريدي ربما يمر المرء عبر وميض موهبة عظيمة. فقط الموهبة هي التي تهمني في اللوحات والكتب. ليس الأفكار العامة، بل الإسهامات الفردية.

إسهامات للمجتمع؟

العمل الفني ليس له أي أهمية في المجتمع. أنه مهم فقط للفرد، وفقط القارئ الفرد هو المهم بالنسبة لي. أنا لا ألقي بالًا للمجموعة، للمجتمع، للجماهير، وهكذا دواليك. كما أنني لا أهتم بشعار "الفن لأجل الفن" - لسوء الحظ هناك من يروجون له، على سبيل المثال، أوسكار وايلد وشعراء نيِّقين مختلفين؛ يقومون في الواقع بإعطاء رتبة للأخلاق والتضحيات- لا يمكن أن يكون هناك شك في أن ما يجعل عمل الخيال في مأمن من اليرقات والصدأ ليس اهتمامه الاجتماعي بل فنه، فقط فنه.


ما الذي تريد تحقيقه أو تركه ورائك- أم لا ينبغي أن يكون هذا أحد اهتمامات الكاتب؟

حسنًا، في ما يتعلق بمسألة الإنجاز، بطبيعة الحال ليس لدي خطة لـ35سنة أو برنامج، ولكن لدي فكرة مقبولة عن أدبي ما بعد الموت. لقد استشعرت تلميحات معينة، وشعرت بنسيم وعود معينة. بلا شك ستكون هناك تقلبات، فترات طويلة من الركود.

مع تواطؤ الشيطان، أفتح صحيفة في عام 2063 وفي صفحة أخبار الكتب أجد مقالًا يقول: "لا أحد يقرأ نابوكوف أو فولمفورد هذه الأيام." سؤال مريع: "من هو هذا الـ"فلومفورد" سيء الحظ؟"


بينما نتحدث عن موضوع التقييم الذاتي، ما الذي يمكن أن تعتبره فشلًا لك ككاتب- بعيدًا عن موضوع كونك يمكن أن تصير عرضة للنسيان؟

نقص العفوية؛ إزعاج الأفكار المتماثلة، إعادة التفكير مرة ثانية، وثالثة؛ عدم القدرة على التعبير عن نفسي بشكل مناسب في أي لغة، إلا إذا قمت بتكوين كل جملة لعينة في حمامي، في عقلي، في مكتبي.


بالأحرى، أنت تبلي بلاءًا جيدًا في الوقت الراهن، لو أمكننا القول.

إنه مجرد وهم.


ردك يمكن أن يؤخذ كتأكيد على التعليقات الانتقادية لك بأنك "فاسد،" "غامض،" و "وكيل الإثارة الأدبية." كيف تنظر إلى نفسك؟

أعتقد أن حقيقتي المفضلة حول نفسي، أنني لا أفزع أبدًا من النقد المجوف الأصفر، وأنني لم أطلب أبدًا أو أشكر، ولو لمرة في حياتي، ناقدًا على نقده. حقيقتي الثانية المفضلة- أم يجب أن أكتفي بواحدة؟


لا، رجاءًا أكمل.

حقيقة أنه منذ شبابي- منذ أن كنت في التاسعة عشر وغادرت روسيا- عقيدتي السياسية ظلت قاتمة وغير متغيرة مثل صخرة قديمة كئيبة. أمر كلاسيكي لدرجة الابتذال. حرية التعبير، وحرية الفكر، وحرية الفن. البنية الاجتماعية أو الاقتصادية للدولة المثالية أمور لا تقلقني. رغباتي متواضعة. صور رئيس الحكومة لا يجب أن تتجاوز حجم طابع بريدي. لا تعذيب ولا إعدام. لا موسيقى، إلا من خلال سماعات الأذنين، ولا عروض مسرحية.


لماذا لا موسيقى؟

ليس لدي أذن للموسيقى، وهذا قصور استنكره بشدة. عندما أحضر حفلًا موسيقيًا- الأمر الذي يحدث مرة كل خمس سنوات- أسعى ببسالة لمتابعة التسلسل والعلاقة بين الأصوات ولكنني لا أستطيع الإبقاء على تركيزي سوى دقائق معدودة. الانطباعات البصرية، انعكاسات اليدين في الخشب المطلي، البقعة الصلعاء الدءوبة على الكمان، هذه الأمور تستولي علي، وسرعان ما أحس بملل لا يطاق بسبب حركات الموسيقيين. معرفتي بالموسيقى طفيفة جدًا؛ ولدي سبب خاص لأعتبر جهلي وعدم قدرتي أمرًا حزينًا جدًا، وظالمًا جدًا: هناك مغني رائع في عائلتي- ابني. مواهبه العظيمة، الجمال النادر لطبقة صوته الجهير، ووعود الحياة المهنية الرائعة- كل هذه الأمور تؤثر علي بشدة، وأشعر بالحماقة خلال المحادثة التقنية بين الموسيقيين. أنا أدرك تمامًا أوجه التشابه الكثيرة بين أشكال الموسيقى والأدب، خصوصًا فيما يتعلق بالبناء، لكن ماذا بإمكاني أن أفعل إذا كانت الأذن والعقل يرفضان التعاون؟ لقد وجدت بديلًا غريبًا للموسيقى في لعبة الشطرنج - بدقة أكثر، في تأليف مشاكل الشطرنج.