Showing posts with label كافكا. Show all posts
Showing posts with label كافكا. Show all posts

Monday, July 14, 2014

رفض وقصص أخرى؛ فرانز كافكا


ترجمة: سماح جعفر






رفض



عندما ألتقي بفتاة جميلة وأرجوها: "كوني جيدة وتعالي معي"، فتمر بجانبي دون أدنى كلمة، هذا ما تعني قوله:

"أنت لست دوقًا مع اسم مشهور، ولست أميركيًا عريض الكتفين بهيئة، وطول، وعيني هندي أحمر كئيبتين، وجلد سفعه هواء البراري والأنهار التي تتدفق خلالها، لم تسافر أبدًا إلى البحار السبع و ترتحل معها أينما مضت. فلماذا، بحق السماء، ينبغي على فتاة جميلة مثلي الذهاب معك؟ "

"لقد نسيتِ أنه  ليس هناك سيارات تجول بك خلال الشارع في الوجهات طويلة؛ ولا أرى أي سادة يرافقونكِ بشكل حثيث، يضغطون على تنورتك من الخلف ويهمسون بالبركات على رأسك؛ ثدييك ملتصقان بصدرك جيدًا، ولكن فخذيك ووركيك يعوضان عن ذلك بانضباط؛ ترتدين ثوب تفتا مع تنورة مطوية أسعدتنا بهم في الخريف الماضي، ورغم ذلك تبتسمين - داعية خطرًا مهلكًا- من وقت لآخر ".

"نعم، كلانا على حق، ولنمنع أنفسنا عن إدراك لا رجعة فيه، من الأفضل أن يذهب كل منا في طريقه؟"



 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



نافذة الطريق



من كان يعيش حياة عزلة ويريد من وقت لآخر أنا يربط نفسه بمكان ما، أيًا كان، وفقًا للتغيرات في أوقات اليوم، الطقس، حالة عمله، وما شابه ذلك، ويود فجأة أن يرى أي ذراع على الإطلاق ليتشبث بها- لن يكون قادرًا على البقاء طويلًا دون نافذة تطل على الشارع.

وإن كان في مزاج حيث لا يرغب في أي شيء سوى الذهاب إلى نافذة منزله كرجل تعب، بأعين تتحول من ذاته إلى السماء وتعود مرة أخرى، لا يريد النظر خارجًا وإلقاء رأسه للأعلى قليلًا، حتى ذلك الحين، الخيول سوف تجره نحو قطارتهم من العربات والاضطرابات، وفي الأخير نحو التناغم الإنساني.



 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





الأشجار


لأننا مثل جذوع الأشجار خلال الثلوج. في الظاهر، ترقد ملساء ودفعة صغيرة تكفي لجعلها تتدحرج. لكن لا، لن يتم الأمر هكذا، لأنها متشبثة بقوة بالأرض. ولكن أتعلم، حتى ذلك مظهر فقط.




*من كتاب القصص الكاملة لفرانز كافكا
ترجمها إلى الإنجليزية ويلا وإدوين موير



Friday, June 13, 2014

قتل الأخ؛ فرانز كافكا

ترجمة: سماح جعفر






تبين الأدلة أن هذه هي الطريقة التي ارتكبت بها جريمة القتل:

شمار، القاتل، تولى مهامه في ليلة مضيئة حوالي الساعة التاسعة مساءً في الزاوية التي يجب على ويسا، ضحيته الالتفاف من خلالها للوصول إلى الشارع الذي يعيش فيه.

كان هواء الليلة يرتجف بالبرودة. ولكن شمار كان يرتدي فقط حلة زرقاء رقيقة؛ وأزرار سترته كانت محلولة. لم يشعر بأي برودة؛ إلى جانب ذلك، فقد كان يتحرك باستمرار طوال الوقت.

سلاحه، نصف حربة ونصف سكين مطبخ، احتفظ به بحزم في قبضته، عاريًا تمامًا. كان ينظر إلى السكين قابلة ضوء القمر؛ النصل يلمع؛ لكن ذلك لم يكن كافيًا لشمار؛ لذا فقد قام بسنه على الطوب الموجود في الرصيف حتى طار الشرر؛ معربًا عن أسفه، ربما؛ ولإصلاح الضرر وجهه مثل قوس الكمان عبر حذائه بينما كان منحنيًا إلى الأمام، واقفًا على ساق واحدة، واستمع إلى كل من شحذ السكين على حذائه وإلى أي صوت قادم من الشارع الجانبي المشؤوم.

لماذا سمح بالاس، المواطن الذي كان يراقب كل شيء من نافذة منزله المجاور في الطابق الثاني، بحدوث ذلك؟ حل لغز من ألغاز الطبيعة البشرية! بياقته المرفوعة، وردائه الملتف حول جسده البدين، كان واقفًا ينظر إلى الأسفل، ويهز رأسه.

على بعد خمسة منازل، على الجانب المقابل من الطريق، كانت السيدة ويسا، مع معطفٍ من فراء الثعلب فوق الرداء الليلي، تطل للبحث عن زوجها الذي تأخر على نحو غير اعتيادي.

أخيرًا رن جرس الباب أمام مكتب ويسا، بصوتٍ مرتفعٍ جدًا بالنسبة لجرس باب، مباشرة فوق البلدة وصولًا إلى السماء، وويسا، العامل الليلي الكادح، خرج من المبنى، لكنه ظل غير مرئي في ذلك الشارع، مُبشرًا فقط بصوت الجرس؛ سجل الرصيف دفعة واحدة خطاه هادئة.

مال بالاس إلى الأمام؛ عازمًا على أن لا يفوت شيئًا. السيدة ويسا، مطمئنة بسماع صوت الجرس، أغلقت نافذتها مصدرة قعقعة. جثا شمار؛ وبما أن لا جزء آخر من جسده كان عاريًا، ضغط فقط وجهه ويديه قبالة الرصيف؛ حيث كل شيء آخر كان متجمدًا، كان شمار يتوهج بالسخونة.

عند الزاوية التي تقسم الشارعين تمامًا توقف ويسا، عصى مشيه فقط ألتفت نحو الشارع الآخر لتدعمه. نزوة مفاجئة. دعته سماء الليل، بأزرقها الداكن والذهبي. غير عارف، حدق نحوها، دون أن يلاحظ رفع قبعته وداعب شعره؛ لا شيء في الأعلى هناك شكل نمطًا ليفسر له مستقبله القريب؛ كل شيء بقي في مكانه الغامض الأحمق. استمرار ويسا في المشي في حد ذاته كان عملًا معقولًا للغاية، لكنه سار نحو سكين شمار.

"ويسا!" هتف شمار، واقفًا على رؤوس أصابعه، وذراعه ممدودة، والسكين منخفضة بشكل حاد، "ويسا! لن ترى جوليا مرة أخرى!" ومباشرة نحو الحلق وأخرى نحو الحلق ومرة ثالثة في عمق البطن طعن سكين شمار. فئران المياه، شقت مفتوحة، مطلقة صوتًا كما لو كان صادرًا من ويسا.

"تم" قال شمار وأنزل السكين، الآن صابورة زائدة من الدماء، أمام أقرب منزل. "هناءة جريمة القتل! الراحة، النشوة المتصاعدة من سفك دماء أخرى! ويسا، طائر الليل القديم، الصديق، رفيق النزل، ينز بعيدًا نحو الأرض المظلمة أسفل الشارع. لماذا لم تكن مجرد مثانة من الدم كي أتمكن من القضاء عليك وجعلك تتلاشى في العدم.

ليس كل ما نريده يتحقق، ولا تثمر كل الأحلام المزدهرة، بقاياك الصلبة ترقد هناك، غير مبالية بكل الركلات. ما هو الأمر الجيد في هذا السؤال الغبي الذي تسأله؟ "

بالاس، مختنقًا بسم جسده، وقف عند الباب المزدوج لرواق منزله. "شمار! شمار! رأيت كل ذلك، لم يفتني شيء." دقق بالاس وشمار في بعضها البعض. نتيجة التدقيق أرضت بالاس، لم يصل شمار إلى أي استنتاج.

السيدة ويسا، مع حشد من الناس على الحانب الأخر، جاءت مسرعة، بدا وجهها مسنًا جدًا بفعل الصدمة. تأرجح معطف الفراء خاصتها مفتوحًا، وانهارت فوق ويسا، جسد الرداء الليلي ينتمي لويسا، ومعطف الفرو المنشور فوقهما مثل العشب السلس للقبر ينتمي إلى الحشد. شمار، مقاومًا بصعوبة آخر شعور بالغثيان، ضغط فمه على كتف الشرطي الذي خطى بخفة، ومضى به بعيدًا.




*من كتاب القصص الكاملة لفرانز كافكا 
ترجمها إلى الأنجليزية ويلا وإدوين موير


Wednesday, May 14, 2014

العودة؛ فرانز كافكا


ترجمة: سماح جعفر






لقد عدت، مررت تحت المدخل المقوس وتطلعت حولي. إنه فناء أبي القديم. بركة في الوسط. وأدوات قديمة وعديمة الفائدة، مختلطة معًا، تسد الطريق نحو درج العلية. القط يتربص على الدرابزين. قطعة ممزقة من القماش، طببت ذات مرة جرحًا حدث خلال اللعب، رفرفت مع النسيم. لقد وصلت. من الذي سوف يستقبلني؟ من الذي ينتظر خلف باب المطبخ؟ الدخان يتصاعد من المدخنة، القهوة تعد للعشاء. هل تشعر بالإنتماء، هل تشعر بأنك في المنزل؟ لا أعرف، أشعر بعدم التأكد.

هو منزل أبي، ولكن كل غرضٍ يقف باردًا قرب الآخر، كما لو أنه منشغل بشؤونه الخاصة، والتي نسيتها جزئيًا، أو لم أعرفها أبدًا. ما الفائدة التي يمكن أن أقدمها لهم، ما الذي أعنيه لهم، غير أني ابن أبي، المزارع القديم؟ لا أجرؤ على طرق باب المطبخ، استمع فقط من مسافة بعيدة، استمع فقط من مسافة بعيدة، بطريقة لا يمكن أخذي بها على حين غرة. وبما أنني استمع من مسافة بعيدة، لا أسمع سوى ضربات خافتة من ساعة تمر من أيام الطفولة، ولكن ربما اتخيل سماعها. أي كان ما يجري في المطبخ فهو سر أولئك اللذين يجلسون فيه، سرٌ يبقونه بعيدًا عني.

كلما أطال المرء التردد أمام الباب، كلما أصبح المرء مبعدًا أكثر. ما الذي سيحدث لو فتح أحدهم الباب الأن وسألني سؤالًا؟ ألن أتصرف حينها كشخص يود حفظ سره؟



*من كتاب القصص الكاملة لفرانز كافكا
ترجمها إلى الإنجليزية ويلا وإدوين موير  



Tuesday, May 6, 2014

المغادرة وقصص أخرى؛ فرانز كافكا

ترجمة: سماح جعفر




المغادرة


أمرت بجلب حصاني من الإسطبل. الخادم لم يفهم أوامري. لذا ذهبت إلى الإسطبل بنفسي، سرجت حصاني وإمتطيته. من البعيد سمعت صوت بوق، وسألت الخادم عن الأمر. لم يعلم شيئا ولم يسمع شيئًا. عند البوابة وقف وسألني: "أين أنت ذاهب يا سيدي؟"، "لا أعرف"، قلت، "سأخرج من هنا فقط، سأخرج من هذا المكان. سأخرج من هذا المكان، لا شيء أخر، إنها الطريقة الوحيدة لأصل إلى هدفي". "إذا أنت تعرف هدفك؟" سأل. "نعم"، أجبت، "لقد أخبرتك للتو. أن أخرج من هذا المكان -- هذا هو هدفي".


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


استسلم!



كان ذلك في الصباح الباكر جدًا، الشوارع نظيفة وخالية، وأنا في طريقي إلى المحطة. حين قارنت ساعة البرج مع ساعتي أدركت أن الوقت متأخر أكثر مما كنت اعتقد، وأنه على الإسراع؛ صدمتي من هذا الاكتشاف جعلتني غير واثقٍ من الطريق، فرغم كل شيء أنا لا أعرف هذه المدينة جيدًا حتى الآن؛ لحسن الحظ، كان هناك شرطي في مكان قريب، ركضت نحوه وسألته بتلهف عن الطريق. ابتسم وقال، "أنت تسألني عن الطريق" "نعم"، قلت، "بما أنني لم أتمكن من العثور عليه بنفسي." "استسلم! استسلم!" قال، والتفت مع رعشة مفاجئة، كمن يريد أن يكون وحده مع ضحكته.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



لعبة الدوامة



فيلسوف معين إعتاد التجول أينما كان الأطفال يلعبون.

وكلما رأي صبيًا يحمل لعبة دوامة، يتكيء منتظرًا. حالما تبدأ لعبة الدوامة في الدوران يبدأ الفيلسوف في السعي للأمساك بها.

لم يكن ينزعج حين يحتج الأطفال بصخب ويحاولون إبقاءه بعيدًا عن لعبتهم؛ طالما أنه سوف يستطيع إلتقاط اللعبة أثناء دورانها، يكون سعيدًا، للحظة فقط؛ بعدها يوقم برميها على الأرض ويمضي. لأنه يؤمن أن فهم أي تفصيل، مثل لعبة الدوامة، على سبيل المثال، هو أمر كافٍ لفهم كل شيء. لهذا السبب فهو لم يشغل نفسه بالمشاكل العظيمة، فقد بدت له غير اقتصادية.

بمجرد فهم التفاصيل الدقيقة، كل شيء يصبح مفهومًا، لذلك شغل نفسه فقط بلعبة الدوامة. وكلما جرت الاستعدادت للعبة الدوامة، يأمل أن تنجح: حالما تبدأ اللعبة بالدوران يجري بتلهف خلفها، وعندها يتحول الأمل إلى يقين، ولكن عندما يمسك بقطعة الخشب التافهة في يده، يشعر بالغثيان. صراخ الأطفال، والذي لم يكن يسمعه حتى تلك اللحظة يخترق أذنيه فجأة، يطارده بعيدًا، فيترنح مثل لعبة دوامة أسفل سوط أخرق.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 


خرافة صغيرة



"للأسف،" قال الفأر، "العالم يزداد صغرًا كل يوم. في البداية كان كبيرًا لدرجة أنني كنت خائفًا، وظللت أركض وأركض، وكنت سعيدًا عندما رأيت جدرانًا بعيدة إلى اليمين واليسار، ولكن هذه الجدران الطويلة ضاقت بسرعة بحيث أنني أصبحت في الحجرة الأخيرة بالفعل، وهناك في الزاوية يقف الفخ الذي يجب أن أركض نحوه". "تحتاج فقط لتغيير اتجاهك"، قال القط، والتهمه.




*من كتاب القصص الكاملة لفرانز كافكا
ترجمها إلى الإنجليزية ويلا وإدوين موير




Wednesday, January 22, 2014

شعار المدينة؛ فرانز كافكا

 ترجمة: سماح جعفر




في البداية اتسمت كافة ترتيبات بناء برج بابل بنظام جيد إلى حد ما، بل ربما كان النظام مثاليًا جدًا؛ اهتمام كبير أعطي للمرشدين، المترجمين الفوريين، ترتيبات إقامة العمال، طرق الاتصال، كما لو كانت ستمر قرون قبل أن يتم البدء بهذا العمل. في الواقع، كان الرأي العام في ذلك الوقت يقول أن المرء ببساطة لا يمكنه أن يقوم بالبناء ببطء شديد؛ قليل جدًا من الإصرار على ذلك قد يكون كافيًا لجعل المرء مترددًا في وضع الأساسات على الإطلاق.  

تجادل الناس بهذه الطريقة: إن الجزء الأساسي في العمل كله هو فكرة بناء برج يصل إلى السماء. وبالمقارنة مع هذه الفكرة فكل شيء آخر يبدو ثانويًا. الفكرة، ما أن يضبط مداها، لن تختفي ثانية أبدًا.

مرة أخرى؛ طالما أن هناك رجال على الأرض سوف تكون هناك أيضًا رغبة لا تقاوم في إكمال البناء. لمَّا كان الأمر كذلك، على كل حال، لا يجب على المرء أن يحس بخوف من المستقبل؛ بل على العكس، المعرفة الإنسانية في تزايد مستمر، فن العمارة قد أحرز تقدمًا وسوف يحرز المزيد من التقدم، قطعة العمل التي قد تحتاج منا إلى سنة كاملة ربما يمكننا تنفيذها في نصف المدة خلال مئة عام، وبشكل أفضل أيضًا، وستكون قوة تحملها أكبر. 

فلماذا يبذل المرء نفسه إلى الحدود القصوى لقوته الحالية؟ سيكون هناك بعض المنطق في فعل ذلك إذا كان من المرجح أن يكتمل البرج خلال جيل واحد. ولكن هذا احتمال بعيد. ومن المرجح جدًا أن الجيل القادم بمعرفته الكاملة سوف يجد عمل أسلافه سيئًا، وسيهدم ما تم بناءه وذلك للبدء من جديد. مثل هذه الأفكار تشل قدرات الناس، لذا فسوف يقلقون بشكل أقل حول البرج وبشكل أكبر حول تشييد مدينة للعمال. 

كل القوميات أرادت الحصة الأفضل لنفسها، وهذا أدى إلى نزاعات، والتي تطورت إلى صراعات دموية. هذه الصراعات لم تصل إلى نهاية أبدًا؛ إلى القادة الذين كانوا دليلًا جديدًا على ذلك، أنه في غياب الوحدة الضرورية؛ بناء البرج سيتم ببطء شديد، أو سيكون من الأفضل تأجيله حتى يعلن السلام العالمي.

ولكن الوقت لم يكن ينفق في الصراع فقط؛ كانت المدينة مزخرفة بالفواصل الزمنية، وهذا للأسف كان كافيًا لإثارة حسد طازج وصراع جديد. بهذه الطريقة مضى عصر الجيل الأول، ولم يحدث إي فرق؛ إلا أن المهارات التقنية ازدادت وازدادت معها فرص الصراع. يجب أن يضاف إلى هذا أن الجيل الثاني والثالث أدرك أن بناء برج يصل إلى السماء كان أمرًا لا عقلانيًا؛ ولكن بحلول ذلك الوقت كان الجميع منخرطين بعمق في مغادرة المدينة. 

كل الأساطير والأغاني التي ولدت في تلك المدينة كانت مليئة بالتوق لليوم المنشود حين ستدمر المدينة بخمس ضربات متتالية من قبضة عملاقة. ولهذا السبب أيضًا كان للمدينة قبضة مقفلة في شعارها.




*من كتاب القصص الكاملة لفرانز كافكا
ترجمها إلى الإنجليزية ويلا وإدوين موير


Friday, October 25, 2013

النسر؛ فرانز كافكا

ترجمة: سماح جعفر




نسر كان يهاجم قدمي. وقد مزق بالفعل حذائي وجواربي إلى أشلاء، والآن كان يحاول اختراق القدم نفسها. اصطدم بها مرارًا، ثم حلق بلا هوادة حولي لعدة مرات، وعاد ليستكمل عمله. سيد محترم مر بجواري، حملق لبرهة، ثم سألني لماذا أعاني من النسر.

"أنا عاجز"، قلت. "عندما أتى وبدأ بمهاجمتي، بالطبع حاولت إبعاده، حتى أنني خنقته، ولكن هذه الحيوانات قوية جدًا، كان يوشك على الانفجار في وجهي، ولكنني فضلت التضحية بقدمي. الآن قدمي أوشكتا على التمزق إلى قضمات".

"إنه أمر عجائبي، أن تترك نفسك تتعذب بهذا الشكل!" قال السيد المحترم. "طلقة واحدة وتكون هذه نهاية النسر".

"حقًا؟" قلت. "هلا فعلت ذلك؟"

"بكل سرور"، قال السيد المحترم،  "يتوجب علي فقط التوجه إلى المنزل وإحضار مسدسي. هل بإمكانك أن تنتظر لنصف ساعة أخرى؟"

"لست متأكدًا من هذا الأمر"، قلت، ووقفت لبرهة متصلبًا من الألم. ثم قلت: "حاول ذلك على أية حال، أرجوك".

"حسنًا"، قال السيد المحترم، "سوف أكون سريعًا بقدر المستطاع".


خلال هذه المحادثة كان النسر يستمع بهدوء، تاركًا أعينه تجول بيني وبين السيد المحترم. أدركت الآن أنه فهم كل شيء؛ حمل جناحه، وانحني بعيدًا ليكتسب قوة دفع، ومن ثم، مثل رامي رمحٍ، غرز منقاره في فمي، عميقًا داخلي. ملقى على الأرض، أحسست بالارتياح حين شعرت به يغرق بغير رجعة في دمي، الذي يغمر كل عمق، يفيض على كل شاطئ.



*ترجمها إلى الأنجليزية: تانيا وجيمس شتيرن



Monday, September 23, 2013

في صالة العرض؛ فرانز كافكا

ترجمة: سماح جعفر




إذا كانت راكبة الخيل الضعيفة المسلولة في السيرك تندفع جيئة وذهابًا على حصان متموج لعدة أشهر متتالية، بلا هوادة، بواسطة مدير حلبة ذي سوط مزدهر لا يرحم، وأمام جمهور نهم، محدثة أزيزًا على طول حصانها، وهي تلقي القبلات، متمايلة بخصرها.

وإذا كان من المرجح أن يستمر هذا الأداء، في المنظور المطلق للمستقبل الباهت، إلى الهدير المتواصل للاوركسترا وهمهمة المراوح، يرافقه انحسار وتجدد لتورم منفجر من التصفيق الذي هو في الحقيقة مطارق بخارية- من ثم، ربما، قد يتسابق زائر شاب لصالة العرض على الدرج الطويل خلال الدوائر، مسرعًا نحو الحلبة، ويصرخ: توقفوا! ضد جلبة الاوركسترا التي لا زالت تعزف الموسيقى الملائمة.

ولكن بما أن الأمر ليس كذلك؛ سيدة جميلة، ترتدي الأبيض والوردي، تطفو بين الستائر، وتتفتح الأذناب الفخورة أمامها؛ مدير الحلبة، باحترام يلتقط عينها، ويأتي نحوها يتنفس إخلاصًا حيوانيًا؛ رافعًا إياها بحنان على الحصان الأمهق، كما لو كانت حفيدته الغالية التي توشك على بدء رحلة محفوفة بالمخاطر؛ غير قادر على التوصل إلى قرار لإعطاء الإشارة بسوطه، وأخيرًا سيطر على نفسه بشكل كاف ليطرقع بسوطه عاليًا؛ راكضًا بجانب الحصان، فاغر الفم؛ يتبع الفارسة بعين حادة وهي تؤدي القفزات؛ ويجد مهاراتها الفنية تفوق الخيال؛ يناديها بعبارات إنجليزية للتحذير؛ وبغضب يحث العرسان الذين يحملون الأطواق ليكونوا متيقظين عن كثب؛ قبل الشقلبة الكبيرة رفع ذراعه وناشد الاوركسترا أن تتوقف؛ وأخيرًا أنزل الصغيرة من فوق حصانها المرتعش، مقبلًا إياها على كلا الخدين، متصورًا أن الاحتفاء الذي وجدته من الجمهور هو بالكاد كفاية؛ في حين أنها نفسها، تتكئ عليه، وهي تقف على أطراف أناملها، في سحابة من الغبار، بذراعين ممدودتين ورأس ملقى إلى الخلف، داعية السيرك كله لمقاسمتها انتصارها- وبما أن الأمر كذلك، وضع زائر صالة العرض وجهه على الدرابزين الذي أمامه، وغرق في المراسم الختامية كما لو كان يغرق في حلم ثقيل، ويبكي دون أن يعلم.





*من كتاب القصص الكاملة لفرانز كافكا؛
ترجمها إلى الإنجليزية: ويلا و إدوين موير.



Wednesday, July 3, 2013

راكب الدلو؛ فرانز كافكا

ترجمة: سماح جعفر 






نفذ الفحم كله؛ الوعاء فارغ؛ والمجرفة عديمة الفائدة؛ الموقد ينفث بردًا؛ الغرفة متجمدة؛ الأشجار خارج النافذة صلبة، ومكسوة بصقيع؛ السماء درع فضي قبالة كل من ينظر إليها طلبًا للمساعدة. يجب أن أحصل على فحم؛ لا أحتمل التجمد حتى الموت؛ خلفي الموقد القاسي، أمامي السماء عديمة الرحمة، لذا يجب أن أقود بينهما، وفي رحلتي أطلب معونة من تاجر الفحم.

لكنه ازداد صممًا بالفعل تجاه المناشدات العادية؛ يجب أن أثبت له بما لا يقبل مجالًا للشك أنه لم يتبق لدي حبة واحدة من الفحم، وأنه  كالشمس في السماء بالنسبة لي. يجب أن أبدو كالشحاذ، الذي، وبحشرجة الموت بالفعل في حلقه، يصر على الموت عند العتبة، والطاهي هو الذي يقرر وفقًا لذلك إعطاءه رواسب إبريق القهوة؛ لذلك يجب على بائع الفحم، وهو مليء بالغضب، ولكنه عارف بالوصية "لا تقتل"، أن يقذف مجرفة مليئة بالفحم في دلوي.

طريقة وصولي هي التي ستقرر الأمر؛ لذا ركبت الدلو. جالسًا عليه، ويدي على المقبض، أبسط أنواع اللجام، دفعت نفسي بصعوبة أسفل الدرج؛ ولكن حالما هبطت للطابق السفلي ارتفع دلوي، رائعًا، رائعًا؛ الإبل وهي تقرفص بتواضع على الأرض لا ترتفع بكرامة أكثر، وهي تهز نفسها أسفل عصي سائقيها. عبر الشوارع المتجمدة بشدة أمضي في الخبب العادية؛ غالبًا ما أرتفع بمثل ارتفاع أول طابق من منزل؛ ولا أنخفض أبدًا لمستوى أبواب المنازل. وأخيرًا أطفو بارتفاع استثنائي فوق قبو التاجر المقبب، والذي أراه من البعيد مقرفصًا على طاولته، حيث يكتب؛ وقد فتح الباب ليسمح بخروج الحرارة الزائدة.

"يا تاجر الفحم!" صرخت بصوت محترق أجوف بالصقيع ومكتوم بالسحابة التي صنعتها أنفاسي، "أرجوك يا تاجر الفحم، أعطني القليل من الفحم. دلوي خفيفٌ جدًا لدرجة أنني لا أستطيع قيادته. كن رحيمًا. سوف أدفع لكن عندما أقدر".

وضع التاجر يده على أذنه. "هل أسمع جيدًا؟" ألقى السؤال فوق كتفيه لزوجته. "هل أسمع جيدًا؟ زبون".

"لا أسمع شيئًا"، قالت زوجته، وهي تشهق وتزفر بسلام بينما تحوك، وظهرها دافئ بسبب الحرارة.
"أه نعم، لابد أنك تسمعين"، صرخت. "إنه أنا؛ زبون قديم؛ صادق وأمين؛ دون معنى في هذه اللحظة".

"أيتها الزوجة"، قال التاجر، "هناك شخص ما، لا بد أن الأمر كذلك؛ لا يمكن لأذني أن تخدعني بهذا القدر؛ لابد أن يكون زبونًا قديمًا، زبونًا قديمًا جدًا، كي يستطيع أن يحركني بشكل عميق".

"مالك يا رجل؟" تقول زوجته، وهي تتوقف عن عملها لبرهة وتضغط بما تحيكه على صدرها. "لا أحد هناك، الشارع خال، كل زبائننا تم تزويدهم؛ بوسعنا أن نغلق المحل لعدة أيام ونأخذ استراحة".

"ولكنني أجلس هنا على الدلو"، صرخت، ودموع خدرة مجمدة أغمضت عيني، "أرجوك أنظر إلى هنا، لمرة واحدة؛ ستراني مباشرة؛ أتوسل إليك، فقط مجرفة؛ ولو أعطيتني المزيد سأكون سعيدًا جدًا حتى أنني لن أعرف ما أفعل. جميع الزبائن الباقين تم تزويدهم. أه لو أن بإمكاني فقط سماع دحرجة الفحم في الدلو!"

"أنا قادم"، قال تاجر الفحم، وعلى رجليه القصيرتين أضطر أن يتسلق درجات القبو، ولكن زوجته كانت بالفعل خلفه، ممسكة بذراعه قائلة: "أبقى هنا؛ وأنا أراك متشبثًا بأهوائك، سأذهب بنفسي. ألا تفكر في نوبة السعال السيئة التي مررت بها خلال الليل. هل لأجل قطعة من العمل، حتى لو كانت واحدة تخيلتها فقط في رأسك، أنت مستعد أن تنسى زوجتك وأطفالك والتضحية برئتيك. سأذهب أنا".

"حسنًا تأكدي من إخباره بكل أنواع الفحم التي نخزنها! وسوف أصرخ بالأسعار خلفك".

"حسنًا"، قالت زوجته، متسلقة نحو الشارع. بالطبع رأتني في الحال. "مدام تاجر الفحم"، صرخت، "تحياتي المتواضعة؛ مجرفة واحدة من الفحم فقط؛ هنا في دلوي؛ سوف أحملها إلى المنزل بنفسي. مجرفة واحدة من أسوأ نوع لديك. سوف أدفع لك ثمنها كاملًا، بالتأكيد، ولكن فقط ليس الآن، فقط ليس الآن". كم بدت الكلمات كقرع ناقوس "فقط ليس الآن"، وكيف  تختلط بارتباك مع دقات الأمسية، التي تسقط من قبة الكنيسة القريبة!

"حسنًا، ماذا يريد؟" صرخ التاجر. "لا شيء"، صرخت زوجته، "لا شيء هنا؛ لا أرى شيئًا، لا أسمع شيئًا؛ فقط ستة من المضربين، والآن يجب أن نغلق المحل. البرد فظيع؛ على الأغلب في الغد سيكون لدينا الكثير لفعله مجددًا".

لا ترى شيئًا ولا تسمع شيئًا؛ ولكن في الوقت نفسه فكت أزرار مئزرها وهزته لتدفعني بعيدًا. نجحت، لسوء الحظ. لدى دلوي كل فضائل الفرس الجيد عدا قوة المقاومة، هذا ما لا يملكه؛ إنه خفيف جدًا؛ مئزر امرأة يمكن أن يطيره عبر الهواء.

"أنت امرأة سيئة!" صرخت مرة أخرى، بينما كانت تعود إلى المحل، نصف-محتقرة، نصف-مطمئنة، أزهرت قبضتها في الهواء. "أيتها المرأة السيئة! توسلت إليك مجرفة من أسوأ أنواع الفحم لديك وأنت ترفضين إعطائي". وبهذا صعدت إلى أقاليم جبال الجليد وضعت للأبد.





*من كتاب القصص الكاملة لفرانز كافكا
ترجمها إلى الإنجليزية ويلا وإدوين موير.





Saturday, June 29, 2013

أطفال على طريق ريفي؛ قصة قصيرة لفرانز كافكا

ترجمة: سماح جعفر





أسمعُ العربات تهدر خلف سياج الحديقة، حتى أنني أحيانًا أراها من خلال ثغرات متمايلة بلطف في أوراق الأشجار. كيف يصرصر خشب مكابحها ومحاورها في حرارة الصيف ! عمال قادمون من الحقول ويضحكون وكأن هناك فضيحة.

كنت جالسًا على أرجوحتنا الصغيرة، أرتاح بين الأشجار في حديقة والدي.

على الجانب الأخر من السياج لا يتوقف الزحام أبدًا. أقدام الأطفال الراكضة كانت قد عبرت في لحظة؛ عربات الحصاد مع رجال ونساء، طفت فوق وحول العجلات حاجبة الشمس عن أحواض الزهور؛ نحو المساء رأيت رجلًا نبيلًا يتنزه ببطء بعصا للمشي، وفتاتان تنحتا إلى العشب، بأذرعهم متشابكة، عندما قامتا بتحيته.

طارت الطيور كما لو أنها تعرضت لزخات مطر، تابعتها بعيني ورأيت كم عاليًا ارتفعوا بلحظة، حتى شعرت أنهم لا يرتفعون بل أنا الذي يسقط، وممسكًا بالحبال بسرعة بدأت أتأرجح قليلًا خارج الضعف المحض. سريعًا كنت أتأرجح بقوة أكبر بينما يهب الهواء أبرد وبدلًا من الطيور المرتجفة ظهرت النجوم.

أُعطيت عشائي بضوء الشموع. غالبًا كلا ذراعي يكونان على الطاولة الخشبية وأكون بالفعل قلقًا بينما أقضم خبزي وزبدي. ستائر الشباك الخشبي تنتفخ بالهواء الحار، وفي كثير من الأحيان يقوم أحد العابرين بتثبيتها بيديه كما لو كان يريد أن يراني بشكل أفضل ويتحدث إلي.

عادة ما تنطفئ الشمعة سريعًا، وفي دخان الشمعة السخامي يحلق الباعوض المتجمع لفترة. إذا سألني أي أحد سؤالًا عبر النافذة سوف أحدق به كما لو كان في جبل بعيد أو في الفراغ، لأنه لا يهتم إذا حصل على جواب أم لا. لكن لو قفز أحد فوق إطار النافذة وأعلن أن الآخرين ينتظرون بالفعل، حينها سأقف على قدمي مع تنهيدة.

"لماذا تتنهد؟ ما المشكلة؟ هل حدث شيء مروع لا يمكن إصلاحه؟ ألن نتعافى منه قط؟ هل فُقد كل شيء؟"

لم يفقد شيء. ركضنا نحو مقدمة المنزل. "حمدًا لله، ها أنت هنا أخيرًا!" - "أنت دومًا متأخر!" - "لمَ أنا فقط؟" - "بالأخص أنت، لمَ لا تبقى في المنزل إذا كنت لا تريد المجيء." - "لا رحمة!" - "لا رحمة؟ ما هذه الطريقة في الكلام؟"

شغلنا رؤوسنا بكامل طاقتها في المساء. لم يكن هناك نهار ولا ليل. الآن أزرار صدرياتنا سوف تطقطق معًا مثل الأسنان، مرة أخرى سنبقي بيننا مسافة ثابتة كما لو كنا نركض، نتنفس نارًا مثل وحوش برية في الأحراش الاستوائية. كالفرسان ذوي الخوذات في الحروب القديمة، نرتكز ونثب عاليًا، قدنا بعضنا أسفل الزقاق القصير وبهذا الزخم في أرجلنا تمددنا أبعد على الطريق الرئيسي. توجهت الشخصيات الشاردة إلى الخندق، بالكاد اختفوا أسفل جرف داكن بينما كانوا يقفون كقادمين جدد على طريق الميدان فوق وينظرون إلى أعلى.

"هيا إلى الأسفل!" - "هيا للأعلى أولًا!" - " حتى تتمكن من دفعنا إلى الأسفل، لا شكرًا، نحن لسنا حمقى." - "أنتم خائفون، هذا ما تعنونه. تعالوا للأعلى، أيها الجبناء!"

- "خائفون؟ من أمثالك؟ سوف تدفعنا إلى الأسفل، أليس كذلك؟ هذه فكرة جيدة".

قبلنا التحدي، وتم دفعنا رأسًا على عقب على العشب من الخندق على جانب الطريق، متشقلبين خارج إرادتنا الحرة. بالنسبة لنا كان كل شيء دافئًا برصانة، لم نشعر بالدفء ولا البرد في العشب، فقط شعرنا بالتعب.

بالتحول إلى الجانب الأيمن، مع يد أسفل الأذن، يمكن أن يغط المرء في النوم بسهولة هناك. لكن المرء يريد أن يصحو مجددًا مع رأس مرتفع، ليتدحرج فقط لحفرة أعمق. ثم مع ذراعين ممتدتين كصليب وأرجل مشدودة باتجاه واحد يعتقد المرء أنه سينطلق إلى الهواء مرة أخرى، فقط ليسقط بشكل ما في حفرة لا تزال أعمق.

وهذه المرة لا يرغب المرء قط في بلوغ نهاية.

الطريقة التي  يمكن بها للمرء أن يمدد نفسه خارجًا، لا سيما في الركبتين، غالبًا لينام في الحفرة الأخيرة، كانت شيئًا نادرًا ما يتم التفكير به، ببساطة يرقد المرء على ظهره، وكأنه غير صالح، ينحني ليبكي قليلًا. يرمش المرء بين الحين والأخر، شابًا، بمرفقين يضغط بهما على جبينه مع نعلين داكنين يلوحان في الأفق، في قفزة من الخندق إلى الطريق.

القمر كان بالفعل عاليًا في السماء، وفي ضوءه عبرت عربة البريد. بدأت الرياح الصغيرة تنفجر في كل مكان، حتى في الحفرة يمكن للمرء أن يحسه، وبالجوار بدأت الغابات بالحفيف. ثم لم يعد المرء بعدها قلقًا من أن يكون وحيدًا.

"أين أنت؟" - "تعال إلى هنا!" - "حالًا!" - "لماذا تختبئ، دع الهراء!" - "ألا تعلم أن البريد قد جاء؟" - "أصحيح؟" - "بالطبع؛ بينما كنت نائمًا".- "لم أكن نائمًا".

ركضنا متزاحمين بشكل وثيق أكثر، كثيرون منا تشابكوا بالأيدي، رأس المرء لا يمكن أن يرفع بشكل كافي، لأن الطريق الآن كان للأسفل. صاح أحدهم وهو يبكي الحرب الهندية، أرجلنا ركضت كما لم يحدث من قبل، رفعت الرياح أوراكنا بينما نركض. لا يمكن لشيء كبحنا؛ كنا نخطو خطى واسعة حتى أننا في تجاوزنا الآخرين يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي وننظر حولنا بهدوء.

في الجسر فوق الوادي وصلنا إلى محطة توقف؛ أولئك الذين تجاوزناهم عادوا. تكسر الماء عند الحجارة والجذور كما لو أنها لم تكن أمسية متأخرة. لم يكن هناك سبب يمنع أحدنا من القفز عبر حاجز الجسر.

من بعيد خلف كتل الأشجار مر قطار السكك الحديدية، كل العربات كانت مضاءة، زجاج النوافذ كان بالتأكيد مقفلًا. أحدنا بدأ يغني أغنية معروفة، ولكن شعرنا جميعًا برغبة في الغناء. غنينا أسرع من عبور القطار، حركنا أذرعنا لأن أصواتنا لم تكن كافية، تسارعت أصواتنا معًا في سيل وذلك جعلنا نبدو جيدين. عندما ينضم أحد للغناء مع آخرين يكون الأمر مثل الرسم بواسطة صنارة صيد.

لذلك نغني، الغابة خلفنا، لأذان المسافرين البعيدين. البالغين كانوا لا يزالون مستيقظين في القرية، الأمهات يرتبن الأسرة لليل.

وقتنا انتهى. قبلت الشخص الذي بقربي، ومددت يدي للثلاثة المجاورين، وبدأت أركض للمنزل، لم ينادني أحد. في أول مفترق طريق حيث لم يعد بإمكانهم رؤيتي التففت وركضت عبر الحقل إلى الغابة مرة أخرى. كنت أتجه لتلك المدينة، في الجنوب كما ذكر في قريتنا:

"ستجد هناك قومًا غرباء! فكر فقط، إنهم لا ينامون أبدًا!"

"ولمَ لا؟"

"لأنهم لا يتعبون أبدًا".

"ولمَ لا؟"

"لأنهم حمقى".

"ألا يتعب الحمقى؟"

"كيف للحمقى أن يتعبوا!"






 *من كتاب القصص الكاملة لفرانز كافكا
ترجمها إلى الإنجليزية: ويلا وإدوين موير