Saturday, January 19, 2013

الجزء الثاني من حوار فلاديمير نابوكوف لمجلة البلاي بوي

ترجمة: سماح جعفر






أجراه: ألفين توفلر
(2/3)


لقد قضيت عشرين عاماً في أمريكا، ولا زلت لا تملك منزلاً أو مكاناً ثابتاً للإقامة هناك. قال بعض أصدقائك أنك تقيم بشكل متقطع في موتيلات، حجرات، شقق مفروشة، أو منازل مستأجرة من الأساتذة الذين يكونون في أجازات. هل تشعر بالقلق الشديد أو الغربة، مما يجعل فكرة الاستقرار في أي مكان تصبح مزعجة ؟

السبب الرئيسي، السبب الذي يعود لخلفيتي، كما أفترض، هو أن أي شيء أقل من نسخة مماثلة للأماكن التي كانت تحيط بي في طفولتي لن يكون مرضياً بالنسبة لي. لن أستطيع أبداً مماثلة ذكرياتي بشكل صحيح-- فلما أتكبد عناء تقريب ميئوس منه؟ ثم أن هناك بعض الاعتبارات الخاصة: على سبيل المثال، مسألة الزخم، عادة الزخم. لقد دفعت نفسي خارج روسيا بحزم، وبقوة ساخطة، ولقد أصبحت أتدحرج جيئة وذهاباً منذ ذلك الحين.

صحيح أنني تدحرجت وعشت حتى أصبحت هذا الشيء الفاتح للشهية، "حائز على درجة الأستاذية"، ولكن بقلبي لازلت أتذكر ذلك "المحاضر الزائر الهزيل." المرات القليلة التي أخبرت فيها نفسي، في أي مكان: "الآن، هذه بقعة جميلة لإنشاء منزل دائم،" أسمع على الفور في عقلي عاصفة ثلجية تحمل ألاف الأماكن بعيداً، أماكن سوف أدمرها بواسطة فعل البقاء في زاوية محددة من الأرض.

وأخيراً، أنا لا أهتم كثيراً بالأثاث، بالطاولات والكراسي والمصابيح والسجاد وغيرها من الأشياء- ربما لأنه في طفولتي الغنية تعلمت أن أنظر بازدراء مسلي لكل ارتباط جاد بالثروة المادية، لذلك لم أحس بأي أسف أو مرارة عندما ألغى قيام الثورة تلك الثروة.



لقد عشت في روسيا لعشرين عاماً، وفي أوروبا الغربية لعشرين عاماً، وفي أمريكا لعشرين عاماً أخرى. لكن في عام 1960، بعد نجاح لوليتا، انتقلت إلى فرنسا وسويسرا ولم تعد أبداً إلى الولايات المتحدة. هل يعني هذا، أنه بالرغم من تحديدك للهوية الذاتية الخاصة بك ككاتب أمريكي، إلا أنك تعتبر أن دورتك الأمريكية قد انتهت؟

أنا أعيش في سويسرا لأسباب خاصة بحتة - أسباب عائلية ومهنية أيضاً، مثل بعض البحوث الخاصة لكتاب خاص. آمل في العودة قريبا جداً لأمريكا - إلى رفوف المكتبة والممرات الجبلية. الترتيب المثالي سيكون شقة في نيويورك عازلة للصوت تماماً، في طابق علوي - لا أقدام تمشي أعلاه، لا موسيقى ناعمة في أي مكان – أو بيت من طابق واحد في الجنوب الغربي. أحيانا أعتقد أنه قد يكون من المرح أن أزين إحدى الجامعات مرة أخرى، أن أقيم وأكتب هناك، أن لا أقوم بالتدريس، أو على الأقل لا أقوم بالتدريس بشكل منتظم.



في الوقت نفسه لا تزال منعزلاً- ومستقراً إلى حد ما، من خلال كل التقارير- في جناحك في الفندق. كيف تقضي وقتك؟

في الشتاء أستيقظ حوالي الساعة السابعة: منبهي هو غراب أعصم من جبال الألب، شيء لامع ، أسود، بمنقار أصفر طويل- يزور شرفتي ويصدر إيقاعات ضاحكة مكتومة. لفترة أظل راقداً في السرير مراجعاً ومخططاً لأشياء في عقلي. حوالي الساعة الثامنة: أحلق، أتناول إفطاري، أتوج بالتأمل، وأخذ حماماً- بهذا الترتيب. ثم أعمل في مكتبي حتى موعد الغداء، ثم أخذ استراحة قصيرة للتمشية على طول البحيرة مع زوجتي. عملياً جميع الكتاب الروس المشاهير في القرن التاسع عشر هاموا هنا في وقت أو أخر. تشايكوفسكي، غوغول، دوستويفسكي، توليستوي- والذي كان يتودد للخادمات في الفندق على نحو يضر بصحته- والعديد من الشعراء الروس. ولكن، بغض النظر عن ما يمكن أن يقال عن نيس أو روما، فأنا أتغذى حوالي الواحدة ظهراً، وأعود لطاولتي في الواحدة والنصف، أعمل بثبات حتى السادسة والنصف مساءاً. ثم أذهب في نزهة لكشك الجرائد الإنجليزية، وأتناول عشائي في السابعة. لا أعمل بعد العشاء. وأوي للفراش حوالي الساعة التاسعة مساءاً. أقرأ حتى الحادية عشر والنصف، وأتنازع مع الأرق حتى الواحدة. نحو مرتين في الأسبوع أحصل على كابوس جيدٍ طويل به شخصيات غير مرغوبة تم استيرادها من أحلام سابقة، تظهر بشكل متكرر دائماً في المناطق المحيطة- ترتيبات متلونة من انطباعات مكسورة، شظايا من أفكار اليوم، صور ميكانيكية غير مسئولة، تفتقر تماماً لأي أثر أو تفسير فرويدي. ولكنها شبيهة بشكل فريد بموكب جنائزي من الشخصيات المتغيرة التي يراها المرء عادة على شاشة الجفن الداخلية حين يغمض عينيه على الضجر.



المضحك أن الأطباء السحرة ومرضاهم لم يصلوا إلى هذا التفسير البسيط والمرضي تماماً عن الحلم. هل صحيح أنك تكتب واقفاً، وأنك تكتب بخط اليد وليس على الآلة الكاتبة؟

نعم. لم أتعلم مطلقاً الطبع على الآلة الكاتبة. عادة أبدأ يومي على طاولة كتابة قديمة محببة في مكتبي. في وقت لاحق، عندما أشعر بالثقل يقضم ربلة ساقي، أجلس على كرسي مريح بجانب طاولة كتابتي المعتادة؛ وأخيراً، عندما يتسلق الثقل إلى عمودي الفقري، أستلقي على أريكة صغيرة في أحد أركان مكتبي. إنه طقس كهولة. لكن عندما كنت صغيراً، في العشرينيات وبداية الثلاثينيات من العمر، كنت عادة أبقى طوال اليوم في الفراش، أدخن وأقرأ. الآن، تغيرت الأمور. النثر الأفقي، المقاطع الشعرية العمودية، وعادة الجلوس تظل تقايض المؤهلات وتفسد الجناس.




هل يمكنك أن تخبرنا أكثر عن العمليات الإبداعية المعنية بإنبات الكتاب- ربما من خلال قراءة بعض الملاحظات العشوائية أو المقتطفات من أحد الأعمال التي لا زالت غير مكتملة؟


بالتأكيد لا. لا يتوجب على جنين الخضوع لعملية جراحية استكشافية. لكن بإمكاني أن أقوم  بشيء أخر. هذا الصندوق يحتوي على فهرس بطاقات بها بعض الملاحظات التي كتبتها في الآونة الأخيرة وتخلصت منها عندما شرعت في كتابة "نار شاحبة". مثل كمية معدة من الرفض. ألقي نظرة. "سيلين، القمر. سيلينغينسك، مدينة قديمة في سيبريا: مدينة إطلاق الصواريخ للقمر" ... "بيري: المقبض الأسود على مشروع قانون إخراس البجع" ... "الديدان: يرقات صغيرة معلقة على خيط" ... "في مجلة بون تون الجديدة، المجلد الخامس، عام 1820، الصفحة 312، البغايا يطلق عليهن اسم "فتيات المدينة" ... "أحلام الشباب: نسيان البنطال؛ أحلام الكهولة: نسيان الأسنان الاصطناعية" ،.. "يوضح الطالب أنه عندما يقرأ رواية فإنه يفضل تخطي الفقرات "وذلك للحصول على فكرته الخاصة حول الكتاب دون تأثير من الكاتب" ... "الطب التصحيحي: أقبح كلمة في اللغة."
"وبعد المطر، على الأسلاك، طائر، اثنان، ثلاثة، ولا شيء، إطارات موحلة، شمس"... "وقت بلا وعي- عالم حيواني أدنى؛ وقت بوعي- رجل- وعي بلا وقت- بعضهم لا يزال في مكانة أعلى" ... "لا نفكر في الكلمات بل في ظلال الكلمات. خطأ جيمس جويس في تداعياته العقلية الرائعة تلك، أنه أعطى جسداً لفظياً أكثر مما ينبغي للأفكار" ... " سخرية التهذيب: هذا التعبير الفذ "أرجوك" - "أرجوك أرسل لي ... الجميل" والتي ترسلها الشركات بغباء في نماذج مطبوعة للأشخاص الذين يطلبون منتجاتهم." ...
"دون توقف ساذج، زقزقة-زقزقة تغريد دجاجات بصناديق كئيبة في وقت متأخر، في وقت متأخر من الليل، في منصة محطة متجمدة مهجورة" ... "العنوان الرئيسي للتابلويد قاتل تورسو ربما يهزم الكرسي الكهربائي ربما تترجم:
Celui qui tw an buste peat bien battre une chaise
"بائع الصحف، ناولني صحيفة بها قصتي: أرى أنك خلفت بقعاً." "الثلج يتساقط، أب شاب مع طفل صغير في الخارج، بأنف مثل كرزة وردية. لماذا يقوم الوالد على الفور بإخبار شيء لابنه أو ابنته إذا قام غريب بالابتسام ؟ "بالتأكيد" رد الأب على استجوابات الرضيع المقهقهة، والتي استمرت لبعض الوقت، والتي كان يمكن أن تُترك لتختفي في الجليد المتساقط، ألم أبتسم عندما مررت بهم" ... "بين الأعمدة: سماء زرقاء داكنة بين عمودين أبيضين." ... "إسم مكان في جزر اوركني: بابيليو" ... "لا، أيضاً، تعيش في اركاديا، لكن "أنا" قال الموت، حتى أنا أعيش في اركاديا"- أسطورة على ضريح الراعي (ملاحظات واستفسارات، 13 يونيو 1868، صفحة 561)" ... "مارات يجمع الفراشات" ... "من وجهة نظر جمالية، الدودة الشريطية هي بالتأكيد ساكن غير مرغوب فيه. كحامل الشرائح الذي يزحف باستمرار خارج القناة الشرجية للمرء، وأحياناً، في سلاسل، ويتم الإبلاغ عنه كنوع من الإحراج الاجتماعي." (آن. أن. واي. اكاد. ساي. 48:558).



ما الذي ألهمك جمع وتسجيل مثل هذه الانطباعات المتقطعة والاقتباسات؟

كل ما أعرفه أنه في مرحلة مبكرة جداً من تطور الرواية تتملكني هذه الرغبة في جمع قطع من القش والزغب، وأكل الحصى.

لن يكتشف أحدٌ أبداً مدى وضوح تخيل الطائر، أو إذا كان يتخيل على الإطلاق عش المستقبل والبيض الذي بداخله. عندما أتذكر لاحقاً القوة التي جعلتني أدون الأسماء الصحيحة للأشياء، أو قياسات وصبغات الأشياء، حتى قبل أن أصبح بحاجة للمعلومات، أميل لافتراض أن ما أسميه -لعدم وجود مصطلح أفضل- "إلهام" هو موجود مسبقاً في العمل، مشيراً بصمت إلى هذا أو ذاك، يجعلني أجمعُ مواد معروفة لبنية غير معروفة. بعد الصدمة الأولى للاعتراف- إحساس بأن "هذا ما أريد أن أكتبهُ"- الرواية تبدأ بالتوالد ذاتياً؛ العملية تستمر مطولا فقط في العقل، وليس في الورقة؛ ليكون معلوماً ليدي المرحلة التي وصلت إليها في أية لحظة، لا يتوجب علي معرفة كل عبارة متطابقة. أحس بنوع من التطور الداخلي غير المتجعد الناعم، وأعرف أن التفاصيل موجودة هناك بالفعل، وأنه يمكنني في واقع الأمر رؤيتها بوضوح إذا نظرت بشكل أقرب، أو إذا فتحت الآلة ونظرت إلى حجرتها الداخلية؛ ولكنني أنتظر حتى يقوم الشيء الفضفاض الذي يسمى "إلهام" بإكمال المهمة لي.

تأتي لحظة حيث أعلم بأن الهيكل بأكمله قد اكتمل. كل ما علي هو خطه بقلم رصاص أو حبر. حيث يصبح هذا الهيكل مناراً خافتاً في عقلي، ويمكن مقارنته برسم، حيث أنه لا يتوجب علي العمل عليه من اليسار إلى اليمين لتبين التصور الصحيح، ربما أوجه مصباحي إلى أي جزء أو جسيمة من الصورة عندما أبدأ في الكتابة.

لا أبدأ روايتي في البداية. لا أصل للفصل الثالث قبل أن أصل إلى الفصل الرابع، لا أمضى من صفحة إلى الأخرى بدافع من الواجب، وكذلك على التوالي؛ لا، أختار قليلاً من هنا وقليلاً من هناك، حتى أشغل كل الثغرات في الورقة. لذلك أفضل أن أكتب قصصي ورواياتي في دفاتر مفهرسة، وأرقمهم لاحقاً عندما أنتهي تماماً. كل ورقة كتبت عدة مرات. حوالي ثلاث ورقات من دفتري تساوي ورقة واحدة مطبوعة، ثم عندما أحس أنني نسخت الصورة المتخيلة بكل الإخلاص الجسدي الممكن- شواغر كثير تظل باقية، للأسف- أقوم بإملاء الرواية على زوجتي، التي تطبعها في ثلاث نسخ.



بأي معنى تنسخ "الصورة المتخيلة" لرواية؟

الكاتب المبدع يجب أن يقرأ بإمعان أعمال منافسيه، بما في ذلك إلاله. لابد أن يمتلك القدرة الفطرية، ليس فقط على إعادة التوحيد ولكن أيضاً على إعادة خلق العالم المعطى. لأجل القيام بذلك على نحو كاف، وتجنب الازدواجية في العمل، على الفنان أن يعرف العالم المعطى. الخيال بلا معرفة لا يؤدي سوى للفناء الخلفي للفن البدائي، خربشة طفل على السياج، ورسالة رافعة في السوق. الفن لم يكن أبداً بسيطاً.

بالعودة إلى أيام إلقائي المحاضرات: أعطي علامات منخفضة تلقائياً عندما يستخدم الطالب عبارة "صادق وبسيط" - "فلوبير دائماً يكتب بأسلوب صادق وبسيط" - تحت انطباع أن هذه أعظم مجاملة يمكن أن تدفع للنثر أو الشعر. عندما أنتزع العبارة خارجاً، وهو ما قمت به بغضب شديد بواسطة قلم الرصاص، حد أنني مزقت الورقة، اشتكى الطالب أن هذا ما كان أساتذته يرددونه عليه دائماً: "الفن بسيط، الفن صادق." يجب علي يوماً ما أن أتعقب هذه الفظاظة السخيفة حتى مصادرها. مُدرسة قاسية من أوهايو؟ مؤخرة تقدمية في نيويورك؟ لأنه، بالطبع، الفن في أعظم صوره مخادع ومعقد بطريقة مذهلة.



فيما يتعلق بالفن الحديث، الرأي النقدي منقسم بشأن الصدق أو الخداع، البساطة أو التعقيد، في الرسم التجريدي المعاصر. ما رأيك؟

أنا لا أرى أي فرق جوهري بين الفن التجريدي والبدائي. كلاهما بسيط وصادق. وبطبيعة الحال، لا ينبغي لنا التعميم في مثل هذه الأمور: الفنان الفرد هو المهم. ولكن إذا قبلنا للحظة الفكرة العامة عن "الفن الحديث"،عندها علينا أن نعترف بأن المشكلة معه هو أنه شائع جداً، مقلد، وأكاديمي.

بكل بساطة تحل لطخات وبقع محل كتلة جمال المئة عام الماضية، صور فتيات إيطاليات، شحاذون وسماء، تخريب الرومانسية، وهكذا دواليك. ولكن فقط، بين تلك الشحوم المبتذلة، ربما يظهر فنان حقيقي مع لعبة أكثر ثراء للضوء والظل، مع نزعة أصلية من العنف والرقة، لذلك ضمن ابتذال الفن البدائي أو التجريدي ربما يمر المرء عبر وميض موهبة عظيمة. فقط الموهبة هي التي تهمني في اللوحات والكتب. ليس الأفكار العامة، بل الإسهامات الفردية.



إسهامات للمجتمع؟

العمل الفني ليس له أي أهمية في المجتمع. أنه مهم فقط للفرد، وفقط القارئ الفرد هو المهم بالنسبة لي. أنا لا ألقي بالاً للمجموعة، للمجتمع، للجماهير، وهكذا دواليك. كما أنني لا أهتم بشعار "الفن لأجل الفن" - لسوء الحظ هناك من يروجون له، على سبيل المثال، أوسكار وايلد وشعراء نيِّقين مختلفين؛ يقومون في الواقع بإعطاء رتبة للأخلاق والتضحيات- لا يمكن أن يكون هناك شك في أن ما يجعل عمل الخيال في مأمن من اليرقات والصدأ ليس اهتمامه الاجتماعي بل فنه، فقط فنه.



ما الذي تريد تحقيقه أو تركه ورائك- أم لا ينبغي أن يكون هذا أحد اهتمامات الكاتب؟

حسناً، في ما يتعلق بمسألة الإنجاز، بطبيعة الحال ليس لدي خطة لـ35سنة أو برنامج، ولكن لدي فكرة مقبولة عن أدبي ما بعد الموت. لقد استشعرت تلميحات معينة، وشعرت بنسيم وعود معينة. بلا شك ستكون هناك تقلبات، فترات طويلة من الركود.

مع تواطؤ الشيطان، أفتح صحيفة في عام 2063 وفي صفحة أخبار الكتب أجد مقالاً يقول: "لا أحد يقرأ نابوكوف أو فولمفورد هذه الأيام." سؤال مريع: "من هو هذا الـ"فلومفورد" سيء الحظ؟"



بينما نتحدث عن موضوع التقييم الذاتي، ما الذي يمكن أن تعتبره فشلاً لك ككاتب- بعيداً عن موضوع كونك يمكن أن تصير عرضة للنسيان؟

نقص العفوية؛ إزعاج الأفكار المتماثلة، إعادة التفكير مرة ثانية، وثالثة؛ عدم القدرة على التعبير عن نفسي بشكل مناسب في أي لغة، إلا إذا قمت بتكوين كل جملة لعينة في حمامي، في عقلي، في مكتبي.



بالأحرى، أنت تبلي بلاءاً جيداً في الوقت الراهن، لو أمكننا القول.

إنه مجرد وهم.



ردك يمكن أن يؤخذ كتأكيد على التعليقات الانتقادية لك بأنك "فاسد،" "غامض،" و "وكيل الإثارة الأدبية." كيف تنظر إلى نفسك؟

أعتقد أن حقيقتي المفضلة حول نفسي، أنني لا أفزع أبداً من النقد المجوف الأصفر، وأنني لم أطلب أبداً أو أشكر، ولو لمرة في حياتي، ناقداً على نقده. حقيقتي الثانية المفضلة- أم يجب أن أكتفي بواحدة؟



لا، رجاءاً أكمل.

حقيقة أنه منذ شبابي- منذ أن كنت في التاسعة عشر وغادرت روسيا- عقيدتي السياسية ظلت قاتمة وغير متغيرة مثل صخرة قديمة كئيبة. أمر كلاسيكي لدرجة الابتذال. حرية التعبير، وحرية الفكر، وحرية الفن. البنية الاجتماعية أو الاقتصادية للدولة المثالية أمور لا تقلقني. رغباتي متواضعة. صور رئيس الحكومة لا يجب أن تتجاوز حجم طابع بريدي. لا تعذيب ولا إعدام. لا موسيقى، إلا من خلال سماعات الأذنين، ولا عروض مسرحية.



لماذا لا موسيقى؟


ليس لدي أذن للموسيقى، وهذا قصور استنكره بشدة. عندما أحضر حفلاً موسيقياً- الأمر الذي يحدث مرة كل خمس سنوات- أسعى ببسالة لمتابعة التسلسل والعلاقة بين الأصوات ولكنني لا أستطيع الإبقاء على تركيزي سوى دقائق معدودة. الانطباعات البصرية، انعكاسات اليدين في الخشب المطلي، البقعة الصلعاء الدءوبة على الكمان، هذه الأمور تستولي علي، وسرعان ما أحس بملل لا يطاق بسبب حركات الموسيقيين. معرفتي بالموسيقى طفيفة جداً؛ ولدي سبب خاص لأعتبر جهلي وعدم قدرتي أمراً حزيناً جداً، وظالماً جداً: هناك مغني رائع في عائلتي- ابني. مواهبه العظيمة، الجمال النادر لطبقة صوته الجهير، ووعود الحياة المهنية الرائعة- كل هذه الأمور تؤثر علي بشدة، وأشعر بالحماقة خلال المحادثة التقنية بين الموسيقيين. أنا أدرك تماماً أوجه التشابه الكثيرة بين أشكال الموسيقى والأدب، خصوصاً فيما يتعلق بالبناء، لكن ماذا بإمكاني أن أفعل إذا كانت الأذن والعقل يرفضان التعاون؟ لقد وجدت بديلاً غريباً للموسيقى في لعبة الشطرنج - بدقة أكثر، في تأليف مشاكل الشطرنج.