Saturday, June 22, 2013

العاصفة الرعدية؛ قصة قصيرة لفلاديمير نابوكوف

 ترجمة: سماح جعفر






في زاوية أحد شوراع برلين الغربية، والذي لا يمكن وصفه سوى بالعادي، تحت مظلة من الزيزفون المزدهر بالكامل، كنت محاطاً بعطر شرس. كتل من الضباب كانت تتصاعد في السماء الليلية، وعندما استوعب أخر نجم ممتلئ، الرياح، شبح أعمى، يغطى وجهه بأكمامه، عبر منخفضاً خلال الطريق المهجور. في ظلمة داكنة، فوق المصراع الحديدي لصالون الحلاقة، درعه المعلق مثل حوض مطلي بالذهب المتقشر كان يتأرجح مثل بندول.

عدت إلى المنزل ووجدت الرياح تنتظرني في الغرفة: وقد أغلقت بعنف إطار النافذة ونظمت ارتداداً سريعاً عندما أقفلت باب الغرفة خلفي. تحت نافذتي كان هناك فناء عميق، حيث في وضح النهار، القمصان، تصلب تحت الشمس المشرقة على حبل الغسيل، وتسطع خلال شجيرات الليلك. خارج الفناء كانت الأصوات تتعالى من حين إلى أخر: النباح الحزين للرجال ذوي الملابس البالية أو المشترين بزجاجاتهم الفارغة؛ أحياناً، عويل كمان أعرج؛ ومرة، امرأة شقراء بدينة ركزت نفسها في وسط الفناء وتحطمت إلى أغنية جميلة جعلت الخادمات يتكئن خارج جميع النوافذ، محنيات أعناقهن العارية، ثم، عندما انتهت، كان هناك لحظة سكون خارقة؛ قطعتها صاحبة المكان، وهي أرملة قذرة، كان يمكن سماعها وهي تنتحب وتنفخ أنفها في الرواق.

في ذلك الفناء تفاقمت الآن كآبة خانقة، لكن الرياح العمياء، التي انزلقت بلا حول ولا قوة في أعماقها، بدأت مجدداً في الصعود عالياً، وفجأة استعادت بصرها، مكتسحة. وعلى فتحات الكهرمان في الحائط الأسود المقابل، الصور الظلية للأذرع والرؤوس الشعثاء بدأت تثب، بينما نوافذ الهروب بدأت تنقبض وانغلقت أطرها بصدى وحزم. انطفأت الأضواء. جاء في اللحظة التالية سيل من الأصوات المملة، صوت رعد بعيد، جاء إلى الحيز، وبدأ يتشقلب عبر السماء البنفسجية الداكنة. ثم مرة أخرى، نما السكون كما حدث عندما أنهت تلك المرأة المتسولة أغنيتها، وانقبض كفاها على صدرها الوافر.

في ذلك السكون غفوت، مرهقاً بفعل سعادة يومي، سعادة لا أستطيع وصفها بالكتابة، وحلمي كان مليئاً بك.

استيقظت لأن الليل بدأ يتحطم إلى أشلاء. بريق شاحب كان يحلق عبر السماء مثل انعكاس سريع لبرامق هائلة. تحطم تلو أخر مزق السماء. نزل المطر في تدفق واسع ورنان.

كنت منتشياً بتلك الهزات المزرقة، للبرد المتقلب الحريص. ذهبت إلى حافة النافذة الرطبة واستنشقت الهواء السماوي، والذي جعل قلبي يرن مثل زجاج.

أقرب من أي وقت مضى، أروع من أي وقت مضى، توغلت المركبة الرسولية عبر الغيوم. أضواء من الجنون، من الرؤى الثاقبة، أضاءت العالم الليلي، المنحدارت المعدنية للسقوف، وشجيرات الليلك المهجورة.


إله الرعد، عملاق أشيب ذو لحية غاضبة تتطاير فوق أكتافه بفعل الرياح، يرتدي طيات محلقة من الملابس المبهرة، يقف، يميل إلى الوراء، في مركبته النارية، يُحجِمُ بذراعيه المتوترة جياده الهائلة السوداء، والذين بدت أعرافهم كلهيب بنفسجي.

كانوا قد أفلتوا من سيطرة السائق، ونشروا بريقاً من الزبد المطقطق، انحرفت المركبة، وتعلق القائد المرتبك بالزمام عبثاً. كان وجهه قد شوه بسبب الرياح والإجهاد الشديد؛ الزوبعة، أطارت بعيداً طيات ملابسه، كاشفة ركبة الجبار؛ ألقت الجياد أعرافها الملتهبة وانطلقت بعنف أسرع من أي وقت مضى، أسفل، أسفل، على امتداد الغيوم. ثم، مع حوافر صاعقة، اندفعت عبر سقف لامع، ترنحت المركبة، ترنح إيليا، والجياد، خبلت بلمسة المعدن البشري، وانطلقت نحو السماء مرة أخرى. رمي الرسول خارجاً. انفكت عجلة واحدة. ومن نافذتي رأيت طوقها الهائل الناري يقرع عبر السقف، يترنح على الحافة، ويقفز نحو الظلمة، بينما كانت الجياد تجر العربة المنقلبة، مسرعة على طول السحب العليا؛ خفتت الدمدمة، ولهيب العاصفة اختفى في هوة غاضبة.

إله الرعد، الذي رمي على السقف، ارتفع بشدة. بدأت نعاله تنزلق؛ وكسر نافذة ناتئة بقدمه، شخر، وبدفعة من ذراعه أمسك بمدخنة ليثبت نفسه. حول ببطء وجهه العابس بينما كانت عيناه تبحثان عن شيء، ربما كان العجلة التي سقطت عن محورها الذهبي. ثم حملق للأعلى، وأصابعه تمسك بلحيته المنفوشة، هازاً رأسه بشكل متقطع، ربما هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها هذا الأمر، وهو يعرج بشكل طفيف، بدأ ينزل بحذر.

بحماس كبير أبعدت نفسي عن النافذة، وأسرعت لأرتدي مبذلي، راكضاً عبر الدرج مباشرة نحو الفناء. هدأت العاصفة ولكن زخات من المطر لا زالت باقية في الهواء. ومن الشرق شحوب رائع كان يغزو السماء.

الفناء، والذي كان يبدو من أعلى مغطى بظلمة كثيفة، لم يتضمن، في الواقع، شيئاً أكثر من ضباب حساس منصهر. وفي رقعته المركزية من العشب كان مغطى بالندى، رجل عجوز هزيل ومنحني الكتفين في رداء مبلل وقف يدمدم شيئاً وينظر حوله. عندما رآني، رمش بغضب وقال، "هذا أنت، إليشع؟"

انحنيت. قرقر الرسول لسانه، وهو يحك في هذه الأثناء بقعته البنية الصلعاء.

"فقدت عجلة. جدها لي، لو سمحت؟"

توقفت الأمطار. غيوم هائلة بلون اللهيب تجمعت فوق السقوف.


الشجيرات، الأسيجة، بيوت الكلاب اللامعة، كانت تطفو في الهواء النعاس المزرق من حولنا. تلمسنا لفترة طويلة مختلف الزوايا. ظل الرجل العجوز يشخر، رافعاً طرف ثوبه الثقيل، ناثراً مياه البرك بصندله الملتف حول أصابعه، وقطرة مشرقة من العرق تتدلى من أرنبة أنفه الكبير العظمي. بينما أنحيتُ جانباً فرعاً منخفضاً من الليلك، لاحظت، على كومة من القمامة، وسط الزجاج المكسور، عجلة حديدية صغيرة لابد تنتمي لعربة طفل. زفر الرجل تنهيدة ارتياح فوق أذني.

وعلى عجل، وبقليل من الفظاظة، نحاني جانباً، نشل العجلة المتسخة. وبغمزة بهيجة قال: "إذاً فقد تدحرجت إلى هذا المكان."

"ثم حدق في وجهي، حاجبيه الأبيضان تجمعا في تقطيبة، وكما لو كان يتذكر شيئاً، قال بصوت مثيرٍ للإعجاب، "ابتعد، أليشع".

أذعنت، حتى أنني أغلقت عيني. وقفت كذلك لدقيقة أو أكثر، وبعدها لم أستطع التحكم بفضولي لوقت أطول.

كان الفناء فارغاً، عدا من كلب أشعث عجوز مع خطمه الأشيب يدفع رأسه خارج بيت الكلاب وينظر إلى أعلى، كما لو كان بشرياً، بعينين عسليتين خائفتين. نظرت إلى الأعلى أيضاً. أسرع إيليا إلى السقف، وطوق الحديد يتلألأ خلف ظهره. وفوق المداخن السوداء سحابة شفقية متجعدة تلوح في الأفق مثل جبل برتقالي، وخلفه، ثاني وثالث. حدقنا أنا والكلب الصامت معاً بينما كان الرسول، الذي وصل إلى قمة السطح، يصعد بشكل متأني على سحابة ويستمر بالصعود، وهو يدوس بشدة على كتل من اللهيب اليانع.

أشعة الشمس انطلقت خلال عجلته وعندها أصبحت ضخمة وذهبية، وإيليا نفسه بدا الآن ملتفاً باللهب، ممتزجاً بالسحب النعيمية بكليته بينما يمشي لأعلى وأعلى حتى اختفى في الممر المجيد للسماء.

ثم حينها بدأ الكلب المتهالك نباحاً صباحياً أجش. موجات ركضت عبر السطح البراق لبرك المطر. نسمات خفيفة حركت نبات إبرة الراعي على الشرفات.

استيقظت نافذتين أو ثلاثة. بنعالي المنقوعة ومبذلي البالي ركضت إلى الشارع لأتجاوز، أول عربة ترام ناعسة، ساحباً أطراف مبذلي حولي، وضاحكاً بينما أركض. تخيلت كيف أنه خلال دقائق معدودة، سوف أكون في منزلك وأبدأ بإخبارك عن الحادث الجوي لتلك الليلة، وعن النبي العجوز الذي سقط في فنائي.