Sunday, October 19, 2014

متجر التبغ؛ فرناندو بيسوا

ترجمة: سماح جعفر






أنا لا شيء.
سأظل دوماً لا شيء.
ولا أقوى على الرغبة في أن أكون شيئاً.
لكني أملك كل أحلام العالم داخلي.



نوافذ غرفتي،
غرفة واحد من الملايين الذين لا يعرفهم أحد
(ولو عرفوني، ما الذي سيعرفونه؟)
تنفتح على لغز طريقٍ يعبُره الناس باستمرار،
طريق متعذر على كل وأي فكرة،
حقيقي، حقيقي الاستحالة، مؤكد، مؤكدة بشكل مجهول،
مع لغز الأشياء التي تحت الحجارة والكائنات،
مع موت يجعل الجدران رطبة وشعر الرجال أبيض،
مع قدر يقود عربة الأشياء كلها عبر طريق اللاشيء.



أنا اليوم مهزومٌ، كما لو أنني عرفت الحقيقة.
أنا اليوم صافِ التفكير، كما لو كنت أوشك على الموت
وصلتي بالأشياء ليست أكثر من قول الوداع،
هذا المبنى وهذا الجانب من الشارع أصبحا
صفاً من عربات القطار، مع صافرة المغادرة
تتفجر في رأسي
أعصابي تهتز وعظامي تئن بينما ننسحب.



أنا اليوم حائر، وكأنني رجل تساءل،
واكتشف، ونسي.
أنا اليوم ممزق بين الولاء الذي أدين
به للواقع الظاهري لمتجر التبغ
عبر الشارع
والواقع العميق لشعوري بأن كل شيء حلم.



لقد فشلت في كل شيء.
بما أنه ليس لدي أي طموح، فربما لم أفشل في شيء.
تخليت عن المعرفة الذي منحت،
وقفزت من النافذة التي في الجزء الخلفي من المنزل.
ذهبت إلى المدينة بخطط كبيرة.
ولكن كل ما وجدته كان عشباً وأشجاراً،
وعندما كان هناك أشخاصٌ، كانوا تماماً كالآخرين.
خطوت إلى الوراء من النافذة وجلست على كرسي.
ما الذي يجب أن أفكر فيه؟



كيف لي أن أعرف ما سأكونه، أنا الذي لا أعرف من أنا؟
هل أكون ما أفكر فيه؟ ولكني أفكر في أشياء كثيرة!
وهناك الكثيرون الذين يفكرون في أن يكونوا الشيء الذي لا يمكننا جميعاً أن نكونه!
عبقري؟
في هذه اللحظة هناك مئات الآلاف من العقول
تحلم بأن تصبح عبقرية مثلي،
وربما يكون الأمر أن التاريخ لن يتذكر واحداً حتى،
كل فتوحاتهم المتصورة تتحول
إلى الكثير من الروث.
لا، أنا لا أؤمن بي.
مصحات الأمراض العقلية مليئة بالمجانين المتيقنين!
هل أنا، الذي لا أملك يقيناً، محق أكثر أم أقل؟
لا، ولا حتى أنا . . .
في كم علية أو غيرها من هذا العالم
يحلم العباقرة المقتنعين في هذه اللحظة؟
كم من التطلعات السامية والنبيلة والنقية
- نعم، السامية والنبيلة والنقية بحق
وربما حتى سهلة المنال-
لن ترى النور أو تجد أذناً صاغية؟
العالم لأولئك الذين ولدوا لغزوه،
وليس لأولئك الذين يحلمون بغزوه، حتى لو كانوا محقين.
لقد حققت في الأحلام أكثر من ما فعل نابليون.



لقد حملت إنسانية على صدري الافتراضي أكثر مما فعل المسيح.
لقد اخترعت سراً فلسفات لم يكتب كانط مثلها أبداً.
لكنني، وربما سأكون دائماً، الرجل في العلية،
رغم أنني لا أعيش في واحدة.
سأكون دائماً الشخص الذي لم يولد لذلك؛
سأكون دائماً مجرد شخص يملك صفات.
سأكون دائماً الشخص الذي انتظر الباب ليفتح
في جدار دون أبواب
وغنى أغنية الأبدية في قن دجاج
وسمع صوت الله في بئر مغطى.
هل أؤمن بي؟ لا، ولا بأي شيء.
دع الطبيعة تصب فوق رأسي المتقد
شمسها، أمطارها، والرياح التي تجد شعري،
ودع البقية تأتي إذا كانت سوف تأتي أو يجب عليها ذلك، أو لا تدعها تأتي.
عبيد قلبيون للنجوم،
غزونا العالم كله قبل أن نخرج من السرير،
ولكننا استيقظنا وكان ضبابياً،
نهضنا وكان غريباً،
توجهنا إلى الخارج فكان كامل الأرض
بالإضافة إلى النظام الشمسي ومجرة درب التبانة واللا محدود.



(كُلي الشوكولاتة خاصتك، أيتها الفتاة الصغيرة،
كُلي الشوكولاتة خاصتك!
صدقوني، ليس هناك ميتافيزيقيا على الأرض تضاهي الشوكولاتة،
ولو وضعت كل الأديان مجتمعة فلن تعلم أكثر من متجر الحلوى.
كُلي، أيتها الفتاة الصغيرة القذرة، كُلي!
لو أن بإمكاني أن أكل الشوكولاتة بمثل يقينك!
ولكني أفكر، وأزيل الورقة الفضية التي هي من الألمنيوم،
وأرميها على الأرض، كما لو أنني ألقي حياة.)



ولكن على الأقل، من مرارتي على ما لن أكونه أبداً،
تبقى الكتابة المتسرعة لهذه المقاطع،
بوابة معطلة نحو المستحيل.
ولكنني على الأقل أضفي على نفسي ازدراء دون دموع،
نبيل على الأقل في البادرة الجارفة التي بها أقذف
الغسيل القذر الذي هو أنا- دون قائمة- في مجرى الأمور،
وأبقى في البيت، عاري الصدر.



(أيها المعزي، الذي لا وجود له، وبالتالي معزيٍ،
كن آلهة يونانية، متصور كتمثال حي،
أو امرأة أرستقراطية من روما، نبيلة ورهيبة،
أو أميرة من الشعراء المتجولين، ساحرة وكيسة،
أو ماركيزة من القرن الثامن عشر، بقصة قميص مرتفعة ومتحفظة،
أو مومس شهيرة من جيل آباءنا،
أو شيئاً معاصراً، لا أستطيع أن أتخيل تماماً كنهه-
أياً كان كل هذا؛ مهما كنت، إذا كنت تستطيع أن تقدم لي الإلهام، إذاً ألهمني!
قلبي دلو مسفوك.



بنفس الطريقة التي يستدعي بها الوسطاء الروحيين الأرواح،
أستدعِ روحي ولا أجد شيئاً.
ذهبت إلى النافذة ورأيت الشارع بوضوح تام.
رأيت المحلات التجارية، رأيت الأرصفة، رأيت السيارات العابرة،
رأيت الكائنات الحية التي ترتدي الملابس تجتاز بعضها البعض.
رأيت الكلاب الموجودة أيضاً،وكل هذه الأوزان،
داخلي كعقوبة نفي،
وكل هذا غريب، ككل شيء آخر).



لقد عشت، درست، أحببت، وحتى أنني أمنت،
واليوم ليس هناك شحاذٌ لا أحسده فقط لكونه ليس أنا.
أنظر إلى الأردية البالية، القروح والكذب لدى كل واحد،
وأفكر: ربما لم أعش أبداً أو أدرس أو أحب أو أؤمن
(لأنه من الممكن أن تفعل كل هذا دون أن تكون قد فعلته حقاً)؛
ربما أكون قد ووجدت بالكاد، كذيل السحلية عندما يقطع
ثم لا يكف الذيل عن الانتفاض، دون السحلية.
لقد صنعت من نفسي ما لا أجيده،
وما كان بإمكاني أن أصنع من نفسي لم أفعله.
ارتديت الزي الخطأ
وعوملت على الفور كشخص لم أكنه، لم أقل شيئاً وضعت.
عندما أردت أن أخلع القناع،
كان عالقاً في وجهي.
عندما تمكنت من خلعه ورأيت نفسي في المرآة،
كنت قد شخت.
كنت في حالة سكر ولم أعد أعرف كيف أرتدي قبعة الزي التي لم أخلعها.
رميت القناع ونمت في الخزانة
مثل كلب مُعتنى به
لأنه غير مؤذ،
وسوف أكتب هذه القصة لأثبت أنني عظيم.



أيها الجوهر الموسيقي لمقاطعي عديمة الفائدة،
لو كان بإمكاني فقط أن أنظر إليك كشيء صنعته
بدلاً من النظر دائماً إلى متجر التبغ عبر الشارع،
وهو يتعثر في وعيي بالوجود،
مثل سجادة يتعثر بها شخص سكران
أو ممسحة لا تساوي شيئاً سرقها الغجر.



مالك متجر التبغ أتى إلى الباب ووقف هناك.
أنظر إليه بعدم ارتياح رقبة نصف ملتوية
مضاعفٌ بعدم ارتياح روح نصف مستوعبة.
سوف يموت وسأموت.
سوف يترك لافتته، وسأترك قصائدي.
لافتته أيضاً ستموت في نهاية المطاف، وكذلك قصائدي.
في النهاية سيموت الشارع حيث كانت اللافتة،
وكذلك اللغة التي كتبت بها قصائدي.
ثم سيموت الكوكب الدائخ حيث حدث كل هذا.



على الكواكب الأخرى من النظم الشمسية الأخرى أشياء شبيهة بالناس
سوف تستمر في صنع أشياء شبيهة بالقصائد والعيش تحت أشياء شبيهة باللافتات،
دائماً شيء يواجه الآخر،
دائماً شيء غير مجدٍ كالآخر،
دائماً المستحيل غبي كالواقع،
دائماً اللغز الجواني حقيقي كما لغز النوم في ظاهره.
دائماً هذا الشيء أو ذاك، أو لا هذا ولا ذاك.



لكن رجل دخل متجر التبغ (لشراء التبغ؟)
وضربني فجأة الواقع الجدير ظاهرياً بالتصديق.
قمت قليلاً من كرسِي- نشيطاً، مقتنعاً، إنسانياً -
وسوف أحاول أن أكتب هذه المقاطع التي أقول فيها العكس.



أشعلت سيجارة بينما أفكر في كتابتهم،
وفي تلك السيجارة ذقت التحرر من كل فكر.
عيني تبعت الدخان كما لو كان مساري الخاص
واستمتعت، للحظة حساسة وملائمة،
بالتحرر من كل التكهنات
والوعي بأن الميتافيزيقيا هي نتيجة لشعور بالتوعك .
ثم ملت إلى الخلف في الكرسي
وواصلت التدخين.
طالما يسمح القدر، سوف أظل أدخن.



(إذا تزوجت ابنة غسالتي
ربما سأكون سعيداً.)
أنهض عن الكرسي. أذهب إلى النافذة.



خرج الرجل من متجر التبغ (ووضع الفكة في جيبه؟).
آه، أنا أعرفه: إنه استيفيز اللاميتافيزيقي.
(توجه مالك متجر التبغ نحو الباب.)
وبفعل غريزة إلهية، يستدير استيفيز ويراني.
لوح مُرحباً، زعقت "مرحباً، استيفيز!"
وسقط الكون في مكان دون مُثل أو آمال،
وابتسم مالك متجر التبغ.





* ترجمها عن البرتغالية ريتشارد زينيث