Sunday, January 13, 2013

رموز وعلامات، فلاديمير نابوكوف؛ قصة قصيرة

ترجمة: سماح جعفر





15 مايو،1948



للمرة الرابعة خلال سنوات عديدة، واجهوا المشكلة المتعلقة بهدية عيد الميلاد، التي يجب أن يجلبوها للفتى الذي يعاني من خلل في عقله غير قابل للشفاء. لا رغبات لديه، الأشياء التي من صنع الإنسان كانت بالنسبة له خلايا شيطانية، نابضة بنشاطات خبيثة والتي يمكنه هو وحده  رؤيتها، أو وسائل الراحة التي لا يوجد استخدام لها داخل عالمه التجريدي. بعد إزالة عدد من الأشياء التي ربما تسيء إليه أو تخيفه (أي شيء في مسار التقنية، على سبيل المثال، كان من المحرمات)، اختار والداه سلة ثمار جميلة بها أكثر من عشرة أنواع من حلوى الهلام داخل مرطبانات صغيرة.

حين ولادته، كانا متزوجين منذ وقت طويل؛ رصيد من السنين انقضى، والآن صارا كباراً جداً في السن. شعرها الرمادي الباهت كان مرفوعاً بلا عناية. كانت ترتدي ثوباً رخيصاً أسود. على عكس النسوة الأخريات اللاتي في سنها (مثل السيدة سول، التي تسكن في المنزل المجاور، والتي كان وجهها بأكمله مصطبغاً باللون الوردي والليلكي، وترتدي قبعة مليئة بمجموعة من الزهور)، تعرض ملامح بيضاء شاحبة لنور الربيع المعيب. زوجها والذي كان في بلدته القديمة رجل أعمال ناجح، صار الآن في نيويورك، يعتمد كلياً على أخيه ايزاك، أمريكي حقيقي ذو مكانة، يبلغ من العمر أربعين عاماً. نادراً ما كانوا يرون ايزاك، وقد كانوا يلقبونه الأمير.

تلك الجمعة، عيد ميلاد ابنهما، كل شيء سار بشكل خاطئ. فقد القطار الحياة بين محطتين، ولربع ساعة متواصلة لم يستطيعوا سماع أي شيء سوى ضربات قلبيهما المتسارعة وحفيف أوراق الصحيفة. الحافلة التي كان من المفترض أن يستقلوها تأخرت واضطروا لانتظارها وقتاً طويلاً في زاوية الشارع، وعندما أتت، كانت مكتظة بفتية المدرسة الثانوية الثرثارين.

بدأ هطول المطر إثناء سيرهم في الطريق المؤدي إلى المصح. انتظروا ثانية، وبدلاً من أن يدخل ابنهم إلى الغرفة متثاقلاً، كما كان يفعل عادة ( بوجه متجهم، مرتبك، غير حليق، ومبقع بحب الشباب) ممرضة يعرفونها ولكن لم يعيروها من قبل اهتمام دخلت، وشرحت لهم بإشراق أنه حاول أن ينتحر مرة أخرى. كان بخير، قالت، ولكن زيارة من والديه ربما تزعجه. كان المكان وكأنه يعاني من نقص مريع، الأشياء بدت ضائعة ومختلطة، قرروا أن لا يتركوا هديتهم في المكتب فمن الأفضل أن يحضروها ثانية عندما يأتون في المرة القادمة.

خارج المبنى، كانت تنتظر زوجها حتى يفتح مظلته ثم أخذت ذراعه. كان يكح لتنظيف حنجرته، كما كان يفعل دوماً عندما يكون متضايقاً. وصلوا إلى محطة وقوف الحافلات على الجانب الأخر من الطريق وأغلق مظلته. على بعد أمتار قليلة، أسفل شجرة متمايلة تنزلق منها قطرات ماء، طائر صغير كان يرتعش عاجزاً في بركة موحلة.

خلال الرحلة الطويلة إلى محطة قطار الأنفاق، لم تتبادل هي وزوجها كلمة، وكل مرة حين تسترق نظرة إلى يديه العجوزين، وهما ترتعشان وتشتبكان على مقبض مظلته، وترى العروق المنتفخة والجلد البني المرقط، تحس بالضغط المتزايد للدموع. وبينما تنظر حولها، محولة عقلها نحو مأزق أخر، يمنحها ذلك صدمة ناعمة، مزيج من التعاطف والعجب، عندما تلاحظ أحد الرُكاب- فتاة ذات شعر بني داكن وطلاء أظافر أحمر وضيع- تبكي على كتف امرأة أكبر سناً. من الذي تشبهه تلك المرأة؟ تشبهُ ريبيكا بوريسوفنا، التي تزوجت ابنتها من أحد السلوفاكيين في مينسك، منذ سنوات.

أخر مرة حاول الفتى القيام بها، منهجه كان، بعبارة الطبيب، "تحفة في الابتكار"؛ كان بإمكانه أن ينجح لو لم يظن أحد زملائه المرضى الحقودين، أنه كان يتعلم كيفية الطيران وقام بإيقافه في الوقت المناسب. لكن ما كان يريد القيام به حقاً هو إحداث ثغرة في عالمه والهرب من خلالها.

نسق أوهامه كان موضوع ورقة منفصلة في المجلة العلمية الشهرية، والتي كان الطبيب في المصحة قد أعطاها لهم لقرأتها. ولكن قبل ذلك بوقت طويل، قامت هي وزوجها بإحضارها. "الهوس المرجعي،" هكذا أسماه المقال. في هذه الحالة النادرة، يتصور المريض أن أي شيء يحدث حوله هو إشارة ضمنية إلى شخصيته ووجوده. أنه يستثني الناس الحقيقيين من المؤامرة، لأنه يعتبر نفسه أكثر ذكاء بكثير من بقية الرجال الآخرين. الطبيعة الاستثنائية تظلله أينما ذهب. الغيوم في السماء المحدقة تحيلُ إلى بعضها البعض، من خلال إشارات بطيئة، بمعلومات مفصلة بشكل لا يصدق متعلقة به. داخله- معظم الأفكار تناقش بحلول الظلام، في الأبجدية اليدوية، من خلال أشجار ذات إشارات حادة مظلمة. أو حصى، أو بقع، أو أشعة الشمس في تكوينات نمطية، وببعض الطرق المروعة، رسائل يتوجب عليه اعتراضها.


كل شيء شفرة، و"هو" الثيمة الأساسية لكل شيء. كل من حوله، جواسيس، بعضهم مراقبين منفصلين، مثل الأسطح الزجاجية والبرك الساكنة؛ وآخرين، مثل المعاطف في واجهات المتاجر، كلهم شهود متحيزين، وهو كأنه مُعدمٌ في القلب، والبعض الآخر، ومرة ​​أخرى (المياه الجارية، والعواصف)، هستيريا لدرجة الجنون، له رأي مشوه عنه، وإساءة تفسير غريبة لأفعاله. يجب أن يكون دائماً على أهبة الاستعداد، ويجب أن يكرس كل دقيقة من حياته في فك تشفير رموز الأشياء. حتى الهواء الذي يتنفسه يقوم بفهرسته وإيداعه جانباً. فقط لو كان الاهتمام الذي يثيره محدوداً داخل محيطه المباشر، ولكن، للأسف، الأمر ليس كذلك! مع المسافة، سيول الفضيحة المتوحشة تزداد في الحجم والطلاقة. الصور الظلية لكريات دمه، تتضخم ملايين المرات، ترفرف فوق السهول العظمى؛ وما تزال بعيدة، الجبال العظيمة من الصلابة التي لا تطاق والارتفاع تتجمع، في مجال من الجرانيت وخشب التنوب المتأوه، الحقيقة المطلقة لكيانه.