Tuesday, January 1, 2013

من كتاب الحقيقة والكذبات في الأدب؛ الوصايا العشر للكاتب؛ ستيفن فيزينيشي

ترجمة: سماح جعفر






ديباجة

كُتب هذا استجابة لطلب من ريموند ليمونت براون، رئيس تحرير مجلة الكُتاب الشهرية، والذي طلب مني شيئاً "مكتظ بالنصائح العملية السليمة، لهؤلاء، الذين يكونون ، في كثير من الأحوال، جديدين على أعمال الكتابة".



١- أن لا تشرب، تدخن أو تتعاطى المخدرات

 لتصير كاتباً فإنك تحتاج لكل العقول التي تملكها.

٢- أن لا يكون لديك عادات مكلفة

يولد الكاتب من الموهبة والوقت- الوقت ليرصد، يدرس، يفكر. لذا لا يمكنك تحمُل تضييع ساعة واحدة لكسب مال للأشياء غير الضرورية. ما لم تكن محظوظاً كفاية، بأن تولد غنياً، الأفضل لك أن تستعد للعيش بدون الكثير من السلع الدنيوية. صحيح أن بلزاك حصل على إلهامه الخاص من إنشاء إدارة ديون ضخمة وشراء الأشياء، لكن معظم الناس الذين لديهم عادات مكلفة يفشلون في الكتابة.

في سن الرابعة والعشرون إثر اندحار الثورة المجرية وجدت نفسي في كندا مع خمسين كلمة باللغة الإنجليزية. عندما عرفت أنني الآن كاتب دون لغة، أخذت المصعد إلى سطح بناية مرتفعة في شارع دورشيستر في مونتريال، معتزماً القفز. نظرت إلى أسفل، مرتعباً من الموت وخائف أكثر من أن أكسر عمودي الفقري وأقضي ما تبقى من عمري في كرسي متحرك، لذا قررت أن أحاول أن أصبح كاتباً باللغة الأنجليزية بدلاً عن ذلك. في النهاية، كان تعلُم الكتابة بلغة أخرى أسهل من كتابة شيء جيد فقط. لقد عشت على حافة العوز لست سنوات قبل أن أصبح جاهزاً لكتابة روايتي"في مديح النساء الأكبر سناً".

لم أكن لأفعلها لو كنت مهتماً بالملابس والسيارات- بالتأكيد، إذا كان البديل الوحيد الذي رأيته ليس قمة ناطحة سحاب. بعض المهاجرين الكُتاب الذين أعرفهم حصلوا على وظائف ندل أو موظفي مبيعات لكي يوفروا المال ويخلقوا "قاعدة مالية" لأنفسهم قبل أن يحاولوا كسب عيشهم عن طريق الكتابة؛ واحد منهم يملك الآن سلسلة كاملة من المطاعم وأغنى من ما يمكن أن أصير أبداً، لكن لا هو ولا الآخرين عادوا للكتابة.

يجب عليك أن تقرر ما الأكثر أهمية بالنسبة لك: أن تحيا جيداً أو أن تكتب جيداً. لا تعذب نفسك بطموحات متعارضة.

٣-  أن تحلم وتكتب وتحلم وتعيد الكتابة

لا تدع أي شخص يخبرك بأنك تضيع وقتك عندما تحدق إلى السماء. ليس هناك طريقة أخرى لتصور عالم خيالي.

أنا لا أجلس أبداً أمام صفحة عارية لأبتكر شيئاً. أحلم أحلام يقظة حول شخوصي، حيواتهم وكفاحهم، وعندما يبدأ مشهد في الظهور في مخيلتي وأفكر أنني الآن أعرف ما يحس به شخوصي، ما يقولونه ويفعلونه، أخذ قلم وورقة وأحاول تسجيل ما شهدته.

عندما أكتب وأطبع تقريري أراجعه مراراً وأجد أن معظم ما كتبته (أ) غير واضح (ب) أو غير دقيق (ج) أو مضجر (د) أو ببساطة لا يمكن أن يكون حقيقياً. لذا كتابة التقرير تعمل كنوع من "تقرير نقدي" حول ما أتخيله، كي أعود لأحلم بكل شيء بشكل أفضل.

كانت تلك هي طريقة العمل التي جعلتني أدرك، عندما كنت أتعلم الإنجليزية، أن مشكلتي الكبرى لم تكن اللغة ولكن، كالعادة، وضع الأمور في نصابها الصحيح داخل رأسي.

٤-  أن لا تكون مزهواً

معظم الكتب السيئة تكون بهذا الشكل لأن كتابها ينخرطون في محاولة تبرير أنفسهم. إذا كان الكاتب المزهو مدمناً على الكحول، تكون أكثر شخصية عاطفية مصورة في الكتاب هي مدمن كحول. هذا النوع من الأشياء. ممل جداً لمن هم خارجه. إذا كنت تظن أنك حكيم، عقلاني، جيد، بمثابة هدية للجنس الأخر، ضحية ظروف، فأنت لا تعرف نفسك بما فيه الكفاية لتكتب.

توقفت عن أخذ نفسي بجدية في سن ال 27 ومنذ ذلك الحين أعتبر نفسي ببساطة كمادة خام. يمكنني استخدام نفسي بنفس الطريقة التي يستخدم بها عنصر فاعل نفسه: كل شخوصي - رجال ونساء، جيدة وسيئة - تتشكل من نفسي، بالإضافة إلى الملاحظة.

٥- أن لا تكون متواضعاً

التواضع هو ذريعة للارتباك، الكسل، الانغماس الذاتي؛ الطموحات الصغيرة تستثير الجهود الصغيرة. أنا ما عرفت أبداً كاتباً جيداً لا يحاول أن يصبح عظيماً.

٦-  أن تفكر باستمرار في من هم عظماء حقاً

"الأعمال العبقرية تسقى بالدموع،" كتب بلزاك في أوهام ضائعة. الرفض،السخرية، الفقر، الفشل، والنضال المستمر ضد القيود الذاتية- هذه هي الأحداث الرئيسية في حياة معظم الفنانين العظماء، فإذا كنت تطمح لمشاركتهم مصيرهم فيجب عليك تقوية نفسك بمعرفتهم.

لقد سعدت في كثير من الأحيان بإعادة القراءة الأولى لسيرة غراهام غرين الذاتية، وهبتني نوعاً من الحياة، وهي عبارة عن نضالاته في وقت مبكر. لقد حظيت أيضاً بفرصة زيارته في انتيب، حيث يعيش في شقة صغيرة من غرفتين (مكان ضيق لمثل هذا الرجل طويل القامة) مع الكماليات، من هواء عليل وإطلالة على البحر ولكن ممتلكاته قليلة، بصرف النظر عن الكتب. يبدو أن لديه القليل من الاحتياجات المادية، وأنا متأكد من أن لهذا علاقة بالحرية الداخلية التي تشع من أعماله. على الرغم من ادعاءه أنه قد كتب كتابه 'الترفيه' فقط لأجل المال، إلا إنه كاتب يُوجه بواسطة هواجسه دون اعتبار لتغيير الموضات والأيديولوجيات الشعبية، وهذه الحرية يقوم بتوصيلها لقرائه. إنه يحررك من وطأة التسويات الخاصة بك، على الأقل حين تقرأ له. هذا النوع من الإنجاز لا يمكن تحقيقه إلا لكاتب ذو عادات متقشفة.

لم يحظ أحدنا بفرصة مقابلة العديد من الرجال العظماء شخصياً، لكن يمكننا أن نكون بصحبتهم إذا قرأنا مذكراتهم، يومياتهم ورسائلهم. رغم ذلك يجب أن تتجنب السيرة الذاتية- خصوصاً السيرة الذاتية الدرامية التي في شكل أفلام أو مسلسلات تلفزيونية. غالباً كل ما يصلك عن الفنانين عبر الأعلام ما هو إلا هراء محض، كتبه مرتزقة كسولون ليس لديهم أدنى فكرة عن الفن أو العمل الشاق. أحدث مثال على ذلك هو أماديوس، والذي يحاول أن يقنعك أنه أمر سهل أن تصير عبقرياً مثل موزارت بيد أنه من الصعب أن تصير رديئاً مثل انتونيو ساليري.

اقرأ رسائل موزارت بدلاً عن ذلك. أما بالنسبة لأدب محدد في حياة الكتابة فأنصحك بكتاب فرجينيا وولف "غرفة تخص المرء وحده"، أو مقدمة برنارد شو "المرأة المظلمة" في السوناتات، و "جاك لندن" لمارتين أيدن، لكن فوق كل شيء، "الأوهام الضائعة" لبلزاك.

٧- أن لا تدع يوماً يمر دون إعادة قراءة شيء عظيم

في مراهقتي درست لأصبح قائد اوركسترا، ومن تدريبي الموسيقي التقطت عادة أظن أنها ضرورية أيضاً للكاتب: الدراسة اليومية المستمرة للأعمال الفنية المميزة. معظم الموسيقيين المحترفين من أي عهد يعرفون مئات النوتات الموسيقية عن ظهر قلب؛ معظم الكُتاب، من ناحية أخرى، لا يملكون سوى ذكريات مبهمة عن الكلاسيكيات- وهو أحد الأسباب التي تجعل هناك موسيقيين أكثر مهارة من الكتاب المهرة.

عازف الكمان الذي يملك الكفاءة التقنية أكثر من الروائيين المنشورة أعمالهم لن يجد أبداً اوركسترا ليعزف بها. الحقيقة أنه فقط من خلال استيعاب الكمال، الطرق المحددة التي رسمها الفنانون العظام لتطوير فكرة، لبناء جملة، فقرة، فصل، يمكنك، ربما، تعلم كل ما يتوجب تعلمه عن التقنية.

لا شيء تم فعله يمكنه أخبارك كيف تفعل شيئاً جديداً، لكن لو فهمت تقنيات الفنان، فقد تملك فرصة أفضل لتطور تقنياتك الخاصة. لتضعها في لعبة شطرنج: ليس هناك لاعب شطرنج عظيم لا يعرف مباريات البطولة التي فاز بها سابقيه عن ظهر قلب.

لا ترتكب الخطأ الشائع، قراءة كل شي كي تكون مطلعاً. أن تكون مطلعاً يمكن أن يجعلك متألقاً في الحفلات لكنه بالتأكيد لن يفيدك ككاتب. قراءة كتاب كي تتمكن من التحدث حوله ليس مثل قراءة كتاب لفهمه. إنه لأمر مفيد أكثر، قراءة القليل من الروايات العظيمة مراراً وتكراراً حتى ترى ما يجعلها تعمل وكيف شيدت.

يجب عليك قراءة رواية خمس مرات قبل أن تتمكن من إدراك هيكلها، ما الذي يجعلها مثيرة، ما الذي يعطيها السرعة والزخم، الاختلافات في الوتيرة والحيز الزمني، على سبيل المثال: يصف المؤلف دقيقة في صفحتين ثم يغطي عامين في جملة واحدة - لماذا؟ عندما تكتشف هذا الأمر تكون قد عرفت شيئاً بحق.


كل كاتب يختار مفضليه من بين الذين يظن أنه بإمكانه التعلم منهم أكثر، ولكن أنصح بقوة أن لا تقرأ روايات العصر الفيكتوري، والتي هي مليئة بالنفاق ومنتفخة بكلمات زائدة عن الحاجة.

حتى جورج إليوت كتب الكثير جداً عن القليل جداً.

عندما تميل إلى كتابة الكثير، اقرأ القصص القصيرة لهاينريش فون كلايست، الذي قال الكثير بعدد كلمات أقل من أي كاتب آخر في تاريخ الأدب الغربي. أعد قراءته باستمرار، جنباً إلى جنب مع سويفت وشتيرن، شكسبير ومارك توين.

على الأقل مرة في السنة أعيدُ قراءة بعض من أعمال بوشكين، غوغول، تولستوي، دوستويفسكي، بلزاك، ستندال. وللعملية العقلية أقرأ كلايست وكُتاب القرن التاسع عشر، الفرنسيين والروس الذي كانوا أعظم سادة الأعمال النثرية، كوكبة من العباقرة غير مسبوقة مثل التي نجدها في الموسيقى من باخ إلى بيتهوفن، وأنا أحاول أن أتعلم شيئا منها كل يوم. هذه هي "تقنيتي".


٨-  أن لا تعبد لندن/ نيويورك/ باريس

في الغالب أقابل كتاب طموحين من أماكن بعيدة، يعتقدون أن الناس الذين يعيشون في عواصم وسائل الإعلام لديهم بعض المعلومات الخاصة عن الفن التي لا يمتلكونها هم. إنهم يقرأون صفحات الاستعراض، يشاهدون البرامج الفنية في التلفاز، لمعرفة ما هو مهم، وما هو في الحقيقة فن، وما ينبغي على المثقفين القلق بشأنه. الريفي غالباً ما يكون شخصاً ذكياً، شخص موهوب ينتهي به الأمر بأن يتبع صحفيين سطحيين، أو يطارد الفكرة الأكاديمية لما يشكل التميز الأدبي ويخون موهبته بتقليد البلداء الذين لا موهبة لهم سوى التملق.

حتى لو كنت تعيش في نهاية الأرض، ليس هناك سبب لتحس بأنك بعيد. إذا كان لديك مكتبة بها كتب بأغلفة ورقية لعِظام الكتاب، وإذا واصلت قرأتها، ستتمكن من الدخول إلى أسرار الأدب أكثر من "مزيفو الثقافة" الذين حددوا اللهجة في المدن الكبيرة. أعرف واحداً من أكبر النقاد في نيويورك لم يقرأ تولستوي من قبل وهو فخور بذلك. لذا لا تضيع وقتك بحثاً عن الموضة المعلنة، الموضوع الحقيقي أو النمط الحقيقي أو نوع الأشياء التي تكسب الجوائز. كل من نجح في الأدب فعل ذلك بشروطه الخاصة.

٩-  أن تكتب لإرضاء نفسك

لم يستطع أي كاتب من أي وقت مضى إرضاء القراء الذين لم يكونوا على مستواه تقريباً من الذكاء العام، الذين لا يقاسمونه موقفه الأساسي من الحياة، الموت، المال، الجنس، والسياسة. الكتاب المسرحيين محظوظون: بمساعدة من الممثلين، يمكنهم توسيع فتنتهم خارج دائرة الأرواح المشابهة. منذ بضع سنوات قرأت أكثر مراجعة متعالية في الصحف الأمريكية للصاع بالصاع - المسرحية نفسها، وليس الإنتاج! إذا لم يتمكن شكسبير من إرضاء الجميع، لماذا يجب أن تحاول حتى؟

هذا يعني أنه لا فائدة من أجبار نفسك على الاهتمام بشيء لا يعجبك. عندما كنت صغيراً قضيت الكثير من الوقت في محاولة وصف الملابس والأثاث. لم يكن لدي أدنى اهتمام بالملابس أو الأثاث ولكن كان لبلزاك اهتمام حماسي بهم والذي وصل إلي وأنا أقرأ، لذا ظننت أنه يجب علي أتقن فن كتابة الفقرات المثيرة حول الخزائن إذا كنت أريد أن أصير روائياً جيداً. جهودي كان مصيرها أن استخدمت كل ما عندي من حماس لما كنت أريد كتابته في المقام الأول.

أنا الآن أكتب فقط حول ما يهمني. لا أبحث عن مواضيع: أي كان الشيء الذي لا أستطيع التوقف عن التفكير به- ذلك هو موضوعي. قال ستندال أن الأدب هو فن الإغفال، وأنا أغفل كل ما لا يصعقني كضرورة. أصف الناس فقط من خلال أفعالهم، تصريحاتهم، أفكارهم، أحاسيسهم، التي صدمتني/ أدهشتني/ أمتعتني/ أبهجتني في ذاتي أو في الآخرين.

ليس من السهل، بالطبع، التمسك بما تهتم به حقاً؛ نحن جميعاً نود أن نفكر كأناس يهتمون بكل شيء. الذين لم يحضروا أي حفل من قبل دون تزييف اهتمام في شيء ما؟ ولكن عندما تكتب عليك أن تقاوم هذا الإغراء، وعندما تقرأ ما كتبت، يجب عليك أن "تسأل نفسك دائما: "هل هذا الاهتمام حقاً لي؟

إذا أرضيت ذاتك- ذاتك الخاصة، وليس فكرة خيالية حول ذاتك، مثل أولئك السادة النبلاء الذين يهتمون بالأطفال الجياع في أفريقيا- حينها ستحصل على فرصة كتابة كتاب يرضي الملايين. لذلك لا يهم من أنت، هناك الملايين من الناس في هذا العالم الذين هم أكثر أو أقل شبهاً بك. لكن لا أحد يريد القراءة لروائي لا يعني حقاً ما يكتب. قذارات الروايات الأكثر مبيعاً لديها شيء واحد مشترك مع الرواية العظيمة: كلاهما أصلي.

١٠-  أن تكون صعب الإرضاء

معظم الكتب الجديدة التي قرأتها تبدو لي نصف مكتملة. أقتنع الكاتب بالحصول على أشياء أكثر أو أقل حقيقية، ثم مضى لشيء جديد. بالنسبة لي تصبح الكتابة مثيرة حين أعود لفصل كتبته بعد بضعة أشهر من انتهائي منه. في تلك المرحلة لا أنظر إليه كمؤلف بل كقارئ- بغض النظر عن عدد المرات التي أعدت فيها كتابة الفصل، ما زال بإمكاني الحصول على جمل غامضة، صفات غير دقيقة أو زائدة عن الحاجة. بالتأكيد أجد بعض الجمل التي لا تضيف شيئاً لفهمي للشخوص أو القصة، ويكون بإمكاني حذفها.

تلك هي المرحلة التي أتأمل فيها الفصل فترة كافية لأتقنه عن قلب- تلاوته كلمة - بكلمة لمن لديه استعداد للاستماع- وأن لم أستطع تذكر شيء ما، فإنني عادة ما أجده غير ملائم. الذاكرة ناقد جيد.




*نشر في الأصل؛ في مجلة الكُتاب الشهرية، يوليو 1985