Thursday, February 14, 2013

من رواية "الناقوس الزجاجي"؛ سيلفيا بلاث

ترجمة: سماح جعفر









الفصل الرابع



لا أعرف لماذا يجب على كل محاولات تملصي الناجحة من الكيمياء أن تطفو في عقلي، هناك في مكتب جاي سي وفي هذه اللحظة بالتحديد.


طوال الوقت الذي تحدثت فيه إلي، رأيت السيد مانزي يقف على "هواء رفيع" خلف رأس جاي سي، كشيء يقفز خارج قبعة، حاملاً كرته الخشبية الصغيرة وأنبوب اختباره الذي يتوارى خلف غيمة كبيرة من الدخان الأصفر ورائحة البيض المتعفن في اليوم الذي يسبق إجازة عيد الفصح؛ والذي جعل كل الفتيات والسيد مانزي يضحكون.


أحسست بالأسف على مستر مانزي، أحسست بوجوب أن أركع له على يدي وركبتي وأعتذر له عن كوني كاذبة مريعة.


مدت جاي سي إليّ كومة من مخطوطات القصص وتحدثت إليّ بلطف أكثر، أمضيت معظم النهار أقرأ القصص وأكتب رأيي حولها في صفحات مفكرتي الوردية وأرسلها إلى مكتب محرر بيتسي لكي تقرأهم بيتسي في اليوم التالي. قاطعتني جاي سي الآن لتخبرني شيئا عملياً أو بعض النميمة.كانت جاي سي ذاهبة إلى الغداء ذلك المساء مع اثنين من الكتاب الكبار، رجل وسيدة، الرجل كان قد باع مؤخراً ستة من قصصه القصيرة إلى صحيفة النيويوركر وستة لجاي سي، فاجأني هذا، لأنني لم أكن أعرف مجلة تشتري قصصاً بالجملة لدرجة ستة قصص، وكنت أترنح من التفكير في مقدار المال الذي يمكن لست قصص، على الأرجح، أن تجلبه، جاي سي قالت أنها يجب أن تكون حذرة في هذا اللقاء، لأن السيدة الكاتبة تكتب الروايات أيضاً، ولكن لم تنشر لها أبداً واحدة في صفحات النيويوركر وجاي سي أخذت منها واحدة على مدار خمس سنوات، كان يجب على جاي سي أن تمتدح الرجل الأكثر شهرة في نفس الوقت الذي تحاول فيه أن لا تجرح السيدة الأقل شهرة.


عندما حركت العقارب في ساعة جاي سي الحائطية الفرنسية أجنحتها إلى الأعلى والأسفل ووضعت نفيرها الصغير المذنب في شفتيها وقرعت اثنتي عشر تنبيهاً واحداً تلو الآخر، أخبرتني جاي سي أنني أكملت ما يكفي من العمل لليوم وأن أذهب إلى جولة ومأدبة يوم السيدات وإلى عرض افتتاح الفيلم، وأنها سوف تراني غداً في الصباح الباكر.


ثم لبست جاكيت بذلة فوق بلوزتها الليلكية، وثبتت قبعة من الليلك المُقلد في مقدمة رأسها، واضعة البدرة على أنفها بحرص ومعدلة نظارتها، بدت مريعة ولكن حكيمة جداً، ربتت على كتفي بيد قفاز ليلك واحدة.


"لا تدعي هذه المدينة الماكرة تحبطك"


جلست بهدوء على كرسيي لبضع دقائق وفكرت في جاي سي، حاولت أن أتخيل كيف سيكون الوضع إذا كنت جاي سي، المحررة المشهورة، في مكتب مليء بالنباتات المطاطية المكبوسة وزهرات البنفسج الأفريقية التي يجب على سكرتيرتي ريها كل صباح. عندها سأعرف ما يجب فعله.


أمي لم تكون عوناً كبيراً، تعلمت أمي الكتابة الاختزالية والطباعة لتعيلنا منذ أن مات أبي، بسرية كرِّهَت هذا وكرهته لموته ولأنه لم يترك أي مال، ذلك لأنه لم يكن يثق في بائعي بوالص التأمين على الحياة، كانت دائماً تحثني على تعلم الكتابة الاختزالية بعد الجامعة، وبذلك سوف يصبح لدي خبرة عملية بجانب الشهادة الجامعية، "حتى الحواريين كانوا خيامين" قالت "كانوا يحتاجون للعيش، مثلما نحتاج نحن."

.رطبتُ أصابعي في وعاء الماء الدافئ الذي وضعته نادلة يوم السيدات مكان طبقيّ الأيس كريم الخاليين خاصتي، جففتُ كل إصبع بحرص بمنديلي الكتاني الأبيض الذي كان لا يزال نظيفا تماماً، ثم ثنيت المنديل الكتاني ووضعته بين شفتيّ وأنزلت شفتيّ  عليه بإحكام، عندما أعدت المنديل إلى المائدة كانت بقعة وردية زغبة تزهر في وسطه وكأنها قلب صغير.


فكرت في الشوط الطويل الذي قطعته.


المرة الأولى التي رأيت فيها وعاء الأصابع كان في منزل محسنتي. السيدة النمشة الصغيرة في مكتب المنح الدراسية أخبرتني، أنه كان عرفاً في جامعتي، أن أكتب إلى الشخص الذي منحني المنحة، إذا كان ما يزال حياً وأشكره على ذلك.


أخذت المنحة من فلومينا غواينا، روائية ثرية درسَت بجامعتي في بداية القرن العشرين وتحولت روايتها الأولى إلى فيلم صامت بمعيّة بيتي دافيس وكذلك إلى متتالية على الراديو ما زالت تعرض حتى الآن، وأتضح أنها كانت لا تزال على قيد الحياة وتعيش في قصر كبير لا يبعد كثيراً عن نادي جدي الريفي.


لذا كتبت إلى فلومينا غواينا رسالة طويلة بحبر فحمي أسود على ورقة رمادية مع إسم الجامعة منقوش عليها بالأحمر.


كتبت كيف تبدو الحشائش في الخريف وأنا أقود دراجتي نحو التلال، وكيف كان رائعاً أن أعيش في حرم الجامعة بدلاً من أن أضطر للعيش في المنزل وأن أتحرك بالباص إلى المدينة الجامعية، وكيف تفتحت كل المعارف أمامي وكيف أنني يوماً ما ربما أصبح قادرة على أن أكتب كتباً عظيمة مثلما فعلت هي.


كنت قد قرأت إحدى كتب السيدة غواينا في مكتبة المدينة -مكتبة الجامعة لم تحتفظ بهم لسبب ما- وكانت تكتظ من البداية إلى النهاية بأسئلة طويلة معلقة: "هل ستدرك إيفيلن أن غلاديس عرفت روجر في ماضيها؟ فاجأت هيكتور بحرارة" و "وكيف يمكن لدونالد أن يتزوجها بعدما علم أن الطفلة أليس مخبأة مع السيدة رولموب في مزرعة المقاطعة المعزولة ؟ غريسيلدا طالبت بوسادتها السوداء القمرية." هذه الكتب أكسبت فلومينا غواينا التي أخبرتني فيما بعد أنها كانت غبية جداً في الجامعة ملايين وملايين الدولارات.


السيدة غواينا أجابت على رسالتي ودعتني إلى الغداء في منزلها، في ذلك الحين رأيت أول وعاء أصابع لي.


كان بالماء بضع زهرات كريز طافية على سطحه، وفكرت أنه لابد نوع من الشوربة اليابانية الصافية التي يتم تناولها بعد العشاء وأكلت كل قضمة منها، بما في ذلك الزهرات المقرمشة الصغيرة، لم تقل السيدة غواينا شيئاً، وبعد فترة طويلة من ذلك، حين أخبرت رفيقة أعرفها في الجامعة عن ذلك العشاء، علمت حينها ماذا فعلت.


عندما خرجنا من مدخل مكاتب يوم السيدات المضاء الشمسي، نحو الشوارع رمادية ومدخنة بالمطر. لم يكن من نوع المطر الذي يشطفك نظيفاً، بل من نوع المطر الذي أتخيل أنهم يملكونه في البرازيل. تتساقط الأمطار مباشرة من السماء في حبات بحجم طبق القهوة وتضرب الرصيف الساخن مع هسيس يرسل غيمات من الحرارة تتلوى بالوميض، تدبير مظلم.


أملي السري في قضاء الظهيرة وحيدة بالسنترال بارك تبدد أمام الزجاج المخفوق لأبواب يوم السيدات الدوارة. وجدت نفسي أخرج مهرولة عبر المطر الدافئ نحو ظلمة كهف نابض لسيارة أجرة، سوياً مع بيتسي وهيلدا وايميلى آن أوفنباك، فتاة صغيرة متأنقة مع ربطة من الشعر الأحمر وزوج وثلاث أطفال في تينيك، نيوجيرسي.


الفيلم كان مملاً جداً. نجمته فتاة شقراء لطيفة تبدو مثل جون اليسون لكنها كانت بحق شخصاً آخر، وفتاة مثيرة ذات شعر أسود تبدو مثل اليزابيث تايلور ولكنها كانت أيضاً شخصاً آخر، واثنين من الفتية بأكتاف عريضة وكبيرة ورؤوس عظمية يدعيان ريك وغيل.


كان فيلم كرة قدم رومانسي وكان ملوناً بطريقة التكنوكلر.


أكره التكنوكلور. الكل في أفلام التكنوكلور يبدون مجبرين على ارتداء ثياب ممتقعة في كل مشهد جديد وأن يقفوا في الأنحاء، مثل ملابس البحر مع الكثير من الأشجار الشديدة الخضرة أو الحنطة الشديدة الصفرة أو محيط شديد الزرقة ممتد إلى مئات ومئات الأميال في كل اتجاه.


معظم الأحداث في هذا العرض تأخذ مكانها في مواقع لكرة القدم، مع الفتاتين تتماوجان وتشجعان في بذلات بارعة مع أزهار أقحوان برتقالية بحجم ثمرة الكرنب على ياقاتهن، أو في الصالونات، حيث تنقضان على الأرضية مع فتيانهن، في فساتين تبدو وكأنها أخرجت من ذهب مع الريح[1]، وبعد ذلك تتسللان خارجاً نحو غرفة الماكياج لكي يقلن لبعضهن أشياء قذرة عنيفة.


في النهاية استطعت أن أرى الفتاة اللطيفة تنتهي برفقة بطل كرة القدم اللطيف والفتاة المثيرة تنتهي وحيدة، لأن الرجل الذي يدعى غيل كان يبحث طوال الوقت عن عشيقة وليس عن زوجة وهو الآن يجمع حاجياته إلى أوروبا حاملاً تذكرة واحدة.


تقريباً مع هذه النقطة بدأت أحس بالغرابة. نظرت حولي في كل صفوف الرؤوس الصغيرة المستغرقة مع نفس التوهج الفضي عليهم من الأمام، ونفس الظل الأسود عليهم من الخلف، وبدوا مثل لا شيء أكثر أو أقل من رؤوس حمقاء غبية كثيرة.


أحسست أنني معرضة لخطر التقيؤ الجسيم . لم أكن أعرف أهو الفيلم المريع ما أصابني بانقباضات المعدة أم هو كل ذلك الكافيار الذي تناولته."أنا عائدة إلى الفندق" همست لبيتسي عبر الظلام نصف الدامس.


بيتسي كانت تنظر إلى الشاشة بتركيز قاتل. "ألا تحسين انك بخير؟" همست، بالكاد محركة شفتيها.


"لا" قلت "أحس بسوء شديد"


"أنا أيضاً، سأعود بصحبتك."


انسحبنا من مقاعدنا وقلنا أعذرني اعذرني اعذرني على امتداد صفنا، بينما كان الناس يتأففون ويهمسون ويحولون أحذية المطر خاصتهم ومظلاتهم ليدعونا نمر، دست على أقدام بقدر ما استطعت لأن ذلك أبعد عقلي عن تلك الرغبة الملحة في التقيؤ التي كانت تنتفخ أمامي بسرعة تمنعني عن الرؤية حولها.


ما تبقى من المطر الفاتر كان لا يزال يتساقط عندما خطونا خارجاً إلى الشارع.


بدت بيتسي خائفة، التورد كان قد اختفي من خديها ووجهها المبلل كان يعوم أمامي أخضراً ومتعرقاً. سقطنا داخل واحدة من سيارات الأجرة التي تكون دائما منتظرة في استعداد عندما تكون بحاجة إلي التفكير فيما إذا كنت تحتاج إلى سيارة أجرة أم لا، وفي الوقت الذي وصلنا فيه إلى الفندق كنت قد تقيأت مرة وبيتسي كانت قد تقيأت مرتين.


سائق سيارة الأجرة أخذ المنعطف بحدةٍ حد ألقى بنا أنا وبيتسي معاً في جانب من المقعد الخلفي أولاً ومن ثّمَ في الجانب الآخر. في كل مرة أحست إحدانا بالغثيان، كانت تنحني بهدوء وكأنها تلتقط شيئا سقط منها في مؤخرة السيارة، فيما تدندن الأخرى قليلا وتتظاهر بأنها تنظر من النافذة.


بدا سائق التاكسي وكأنه يعرف ماذا نفعل رغم كل شيء.


"هيي"، اعترض، قائداً سيارته خلال ضوء كان قد تحول تواً إلى الأحمر،"لا تستطعن فعل ذلك في عربتي، الأفضل أن تنزلا وتفعلا ذلك في الشارع".


لم نقل شيئا، وأظن أنه أستنتج أننا اقتربنا من أن نصل إلى الفندق لذا لم يجعلنا ننزل إلى أن أوصلنا أمام المدخل الرئيسي.


لم نجرؤ على الانتظار لنحسب الأجرة. حشرنا كومة من العملات الفضية في يد السائق ورمينا بعض المناديل الورقية على مؤخرة التاكسي لنغطي الفوضى التي خلفناها وهرعنا عبر البهو إلى المصعد الذي كان خالياً. لحسن الحظ بالنسبة لنا، كان وقتاً هادئاً من اليوم. بيتسي أحست بالغثيان مرة أخرى في المصعد فأمسكتُ برأسها، بعدها أحسست أنا بالغثيان فأمسكتْ برأسي.


عادة بعد تقيؤ جيد نحس بالتحسن على الفور، احتضنا بعضنا ثم قلنا إلى اللقاء وذهبنا في اتجاهين مختلفين من نهاية الردهة لكي نستريح في غرفتينا. لا شيء أفضل من التقيؤ مع أحدهم لجعلكم أصدقاء قدامي.


لكن في اللحظة التي أقفلت فيها الباب خلفي وخلعت ملابسي وجررت نفسي إلى الفراش، أحسست بسوء أكثر من أي وقت مضى. أحسست أنني يجب أن أذهب إلى الحمام فوراً. جاهدت حتى أصل إلى روب حمامي الأبيض ذو الوردات ثم ترنحت وأنا بطريقي نحو الحمام.


بيتسي كانت هناك. استطعت أن أسمع أنينها خلف الباب، لذلك التففت سريعاً حول الرواق لأصل إلى الحمام الذي في الجناح الآخر. ظننت أنني سوف أموت، فقد كان بعيداً جداً.


جلست في الحمام وحنيت رأسي فوق حافة حوض الغسيل وأحسست أنني أفقد قواي وعشائي معاً. الغثيان التف حولي في موجات قوية. بعد كل موجة كان يزول ويتركني رخوة كمنشفة مبللة و أرتجف من أعلى رأسي حتى أخمص قدمي ثم أحس به يرتفع مجدداً، والغرفة القرميدية البيضاء تحت قدمي وفوق رأسي وفي كل الجهات الأربعة تنغلق على بعضها وتعصرني إلى أجزاء.


لا أدرى كم من الوقت بقيت هناك. تركت المياه الباردة تجري في الحوض بصوت عالي مخرجة السدادة، لذا إذا مر أي احد من هنا سوف يظن أنني أغسل ملابسي، ثم حين أحسست بأمان كافي تمددت في الأرضية ورقدت في وضعية ثابتة.


لم يبدو انه سوف يحل على صيف بعد الآن. أكاد أحس بفصل الشتاء يهز عظامي ويخبط أسناني مع بعضها، ومنشفة حمام الفندق البيضاء الكبيرة التي جررتها معي ترقد أسفل رأسي مخدرة مثل كومة ثلج.


فكرت أنه أسلوب سيء جداً بالنسبة لأي شخص أن يقرع باب الحمام بالطريقة التي كان يقرعها به أحدهم، يمكنهم أن يلتفوا فقط حول الرواق ويجدوا حماماً آخر كما فعلت أنا ويتركونني بسلام. لكن الشخص ظل يدق ويحتج معي لأدعه يدخل وظننت أنني ميزت الصوت بإبهام. بدا كصوت ايميلى آن اوفنباك.


"دقيقة واحدة"، قلت. خرجت كلماتي سميكة مثل دبس.


استجمعت قواي وببطء رششت وغسلت المرحاض للمرة العاشرة وغسلت الحوض نظيفاً ولففت المنشفة مرة آخرى لذا لم تكن بقعة القيء التي عليها واضحة تماماً، فتحت الباب وخطوت نحو الردهة.


عرفت أنه سيكون مُهلكاً النظر إلى ايميلى آن أو أي شخص آخر لذا ثبتُ عيني بجمود على نافذة سابحة في آخر الردهة مقدمة ساق ومؤخرة الأخرى.الشيء التالي الذي وقعت عيني عليه كان حذاء شخصٍ ما.


كان حذاء جريئاً بجلد أسود متصدع وكان بالياً تماماً، مع حفر هواء صغيرة في القالب الصدفي عند منطقة الأصابع،فوق طلاء التلميع، وكان الحذاء يشير إلى. بدا وكأنه موضوع على سطح أخضر صلب الشيء الذي يؤلم عظمة خدي الأيمن.


بقيت ثابتة، منتظرة تلميحاً يعطيني بعض التصورات عن ما يجب فعله. على اليسار قليلا من الحذاء رأيت كومة مألوفة من الزهور ذات اللون الأزرق على أرضية بيضاء وذلك جعلني أرغب في البكاء. ما أنظر إليه كان كُم روب حمامي، ويدي اليسرى ترقد شاحبة مثل غمد في أخره.


"إنها بخير الآن"


أتى الصوت رابط الجأش ومتعقل من مكان ما فوق رأسي. للحظة لم أحس بأي شيء غريب بخصوصه، بعدها فكرت أنه كان غريبا فقد كان صوت رجل، ولم يكون مسموحا قدوم الرجال إلى هذا الفندق في أي وقت صباحاً أو مساءاً.


"كم عدد الآخرين هناك؟" استمر الصوت.


أصغيت باهتمام. الأرضية بدت متينة بطريقة رائعة. كان مريحا أن أعرف أنني سقطت ولن أسقط أكثر من ذلك.


"أحدى عشر، على ما أعتقد،" أجاب صوت المرأة.تصورت أنها لا بد تنتمي إلى الحذاء الأسود. "أظن أنه لا زال هناك أحد عشر منهم، لكن هناك واحدة مفقودة لذلك فهناك فقط عشرة"


"حسناً، خذي هذه إلى الفراش وسوف أهتم بالبقية"


سمعت هدير خاوي في أذني اليمنى نما أبهت فأبهت. ثم فتح باب في البعيد وكانت هناك أصوات وتأوهات، وقفل الباب مرة آخرى.


يدان انزلقتا تحت إبطأي وصوت امرأة يقول "تعالي، تعالي، عزيزتي، لم تصلي بعد"، وأحسست بجسدي مرفوع قليلاً، وببطء بدأت الأبواب تمر بجانبي، واحد تلو الآخر، حتى وصلنا إلى باب مفتوح ودلفنا إليه.


الشراشف كانت مطوية للخلف، ساعدتني المرأة على الاستلقاء وغطتني حتى ذقني وارتاحت لدقيقة في الكرسي الذي بجانب السرير، مروحة عن نفسها بيد وردية سمينة. كانت ترتدي نظارات ذات حافة ذهبية وغطاء رأس أبيض يخص الممرضات.


"من أنت؟" سألت في صوت ملوم.


"أنا ممرضة الفندق"


"ماذا حدث لي؟"


"تسممتِ" قالت باختصار." تسممت مجموعتكم كلها. لم أرى في حياتي شيئا مثل هذا قيء هنا، قيء هناك، ما الذي ملئتن به سيداتي بطونكن؟"


"هل كل الآخرين مرضى أيضاً؟" سألت ببعض الأمل.


"مجموعتكم كلها" جزمت مستلذة "مرضى ككلاب تبكي من أجل أمهاتها"



تدور الغرفة حولي بلطف شديد. وكأن الكراسي والطاولات والحوائط تمتنع عن وزنها تعاطفاً مع وهن عزمي المفاجيء.


"أعطاك الطبيب حقنة" قالت الممرضة من أمام الباب. "سوف تنامين الآن."أخذ الباب مكانها مثل لوح من الورق الأبيض، ثم لوح اكبر من الورق أخذ مكان الباب، انجرفت نحوه مضحكة نفسي لأنام.


أحدهم كان يقف بجانب مخدتي مع كوب أبيض.


"أشربي هذا" قالوا.


هززت رأسي. المخدة طقطقت وكأنها محشوة بالتبن.


"أشربي هذا وسوف تحسين أنك أفضل"


كوب خزفي كبير وسميك أُنزل تحت أنفي. في الضوء الشاحب افترضت أنه ربما يكون المساء قد حل أو ربما بعد ذلك. تأملت السائل الكهرماني النظيف . رزم من الزبد تطفو في سطحه وشذا مرق ضئيل يسبح نحو أنفي.


عيني تتحرك متوجهة نحو التنورة التي خلف الكوب. "بيتسي" قلت.


"ليس بيتسي، إنها أنا"


رفعت عيني بعدها، ورأيت رأس دورين ينتصب عكس سياج النافذة، شعرها الأشقر مسدل إلى جانبها من الخلف مثل هالة من الذهب. وجهها كان في الظل، لذا لم أستطع معرفة تعبيرها، لكنني أحسست نوعاً من الرقة ينساب خلال أطراف أصابعها. ربما كانت بيتسي أو أمي أو ممرضة رائحتها كنبات السرخس.


أحنيت رأسي وأخذت رشفة من المرق، فكرت أن فمي لا بد مصنوع من الرمل، أخذت رشفة آخرى ثم آخرى ثم آخرى حتى أصبح الكوب فارغاً.أحسست بالطهارة والفراغ وكنت جاهزة لحياة جديدة.


وضعت دورين الكوب على سياج النافذة واحنت نفسها على المقعد. لاحظت أنها لم تقم بأي حركة لإخراج السجائر، وبما أنها كانت مدخنة شرهة فاجأني ذلك.


"حسنا، لقد كنت في عداد الأموات" قالت أخيراً.


"أظن أنه كان ذلك الكافيار"


"ليس الكافيار! كان لحم السلطعون لقد أجروا عليه فحصاً وكان مليئاً ببكتيريا العفن."


تخيلت مطبخ يوم السيدات السماوي الأبيض الممتد إلى ما لا نهاية، رأيت أفوكادو الكمثرى بعد أفوكادو الكمثرى يملأ مع لحم السلطعون والمايونيز ويصورونه تحت إضاءة عبقرية. رأيت اللحم المدخن الوردي اللذيذ يظهر بإغراء تحت غطاء من المايونيز والأجاص الرطب الأصفر مع حافته مثل تمساح أمريكي أخضر يؤرجح الفوضى كلها.


سم.


"من أجرى الفحوصات؟" فكرت أن ربما الطبيب شفط معدة أحدهم ثم حلل ما وجده في معمل الفندق.


"تلك البقايا من يوم السيدات. عندما بدأتن تتقاتلن عليها مثل كرات البولينغ اتصل أحدهم بالمكتب والمكتب أتصل بقاعة يوم السيدات وهم أجروا الفحوصات على كل ما تبقى من مأدبة الغداء، ها!"


"ها!" قلت برجعِ صوت مجوّف. من الجيد أن أحظى بدورين ثانية.


"لقد أرسلوا هدايا"، أضافت "إنها في كرتونة كبيرة بالخارج"


"كيف وصلوا إلى هنا بهذه السرعة؟"


"خدمة التوصيل السريع، ماذا تظنين؟ لا يستطيعون تحمل تجولكم جميعاً قائلين أنكم أِصبتم بالتسمم في يوم السيدات. يمكنك أن تقاضيهم حتى آخر قرش يملكونه إذا كنت فقط تعرفين محامياً ذكياً."


"ما هي الهدايا؟" بدأت أفكر ما إذا كانت جيدة كفاية لجعلي أتغاضى عن ما جرى، لأنني أحسست أنني نقية جداً كنتيجة لما حدث.


"لم يفتح أحد الصندوق بعد، إنهم جميعا مستلقيين. من المفترض بي أن أقدم الحساء للجميع، كما ترين أنا الوحيدة التي ما تزال على قدميها، لكنني أحضرت لك حساءك أولاً."


"أعرفي ما هي الهدايا" توسلت. ثم تذكرت وقلت "لدي هدية لك أيضا".


خرجت دورين إلى الردهة. استطعت سماعها تصارع لبرهة ثم بعد ذلك صوت تمزق ورق . في النهاية عادت حاملة كتاب سميك ذو غلاف لامع وأسماء الناس مكتوبة عليه بأكمله.


"أفضل ثلاثين قصة قصيرة للعام" رمت الكتاب في حجري. "هناك ثلاثين نسخة أخرى منهم في الصندوق. أظن أنهم فكروا في إعطائك شيئا تقرأينه وأنت تتعافين" توقفت "أين هديتي؟"


فتشت في محفظتي ثم مددت لدورين مرآة مع اسمها ولآلي عليها. نظرت دورين إلى ونظرت إليها وانفجرنا ضاحكتين.


"يمكنك أخذ حسائي إن شئت" قالت " لقد وضعوا اثني عشر كوب حساء على الصينية بالخطأ وليني وأنا أكلنا لفائف هوت دوج كثيرة عندما كنا بانتظار توقف المطر فلن أستطيع تناول لقمة أخرى.


"أحضريها" قلت " أنا أتضور جوعاً"





[1] فيلم أُنتِج في عام 1939 عن رواية مارغريت ميتشل الشهيرة ذهب مع الريح. فاز الفيلم بِـ 8 جوائز أوسكار، واختاره معهد الفيلم الأمريكي ليكون الرابع في قائمة الأفلام الأمريكية المئة الأفضل في القرن العشرين


الرواية كاملة صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب (سلسلة الجوائز).