Wednesday, December 12, 2012

إسحق باشيفز سينجر؛ فن التخييل

ترجمة: سماح جعفر

                                                          * إسحق سينجر


"المقابلة رقم 42 من مقابلات مجلة "باريس ريفيو" الأمريكية".

 الجزء الأول



يعيش إسحق باشيفز سينجر وزوجته الثانية في شقة كبيرة مكونة من خمس غرف داخل منزل في الجانب الراقي من برودواي. بالإضافة إلى مئات الكتب وجهاز تلفزيون كبير، وهي مؤثثة بذلك النوع من أثاث العصر الفيكتوري، على النمط الذي تؤسس به المنازل المريحة في بروكلين والبرونكس في عام 1930.

يعمل سينجر في مكتب صغير فوضوي بغرفة المعيشة. يكتب كل يوم، لا في ساعات محددة- بل بين المقابلات الصحفية، الزيارات، والمكالمات الهاتفية. اسمه لا يزال مسجلاً في دليل الهاتف بمانهاتن، وبالكاد يمر يوم دون أن يتلقى مكالمات هاتفية عديدة من الغرباء الذين قرأوا شيئاً قد كتبه ويودون التحدث إليه بشأنه. وحتى وقت قريب، كان ليدعو كل من يتصل به لتناول الغداء أو على الأقل القهوة.

يكتب سينجر قصصه ورواياته في دفاتر مسطرة، بخط اليد وباللغة اليديشية. معظم ما يكتب ما زال يصدر أولاً في الصحيفة اليهودية اليومية، أكبر الصحف التي تصدر باللغة اليديشية، والتي تصدر في مدينة نيويورك. إيجاد مترجمين لترجمة أعماله إلى اللغة الإنجليزية كان دوماً مشكلة أساسية. لأنه كان يصر على العمل عن قرب مع المترجمين، ومراجعة كل كلمة معهم عدة مرات.

دائماً ما يرتدي سينجر البذلات الغامقة، والقمصان البيضاء، وأربطة العنق الداكنة. صوته مرتفع ولكنه لطيف، ولا يعلو أبداً. متوسط الطول، نحيف، وله بشرة شاحبة بصورة غير طبيعية. لعدة سنوات كان يتبع نظاماً غذائياً نباتياً صارماً.

أول انطباع يؤخذ حول سينجر هو أنه رجل هش ضعيف سيواجه صعوبة إذا حاول السير عبر مربع سكني. في الحقيقة هو يسير مسافة خمسة عشر أو ستة عشر مربعاً سكنياً في اليوم، رحلة تتضمن توقفاً لإطعام الحمامات من كيسه الورقي البني. إنه يحب الطيور ويملك ببغاوين يطيران داخل شقته بحرية.

  ***

كثير من الكتاب عندما بدأوا استخدموا كتاباً آخرين كنماذج للإقتداء بها.
  

حسناً، نموذجي كان أخي، إسرائيل جوشوا سينجر، الذي كتب رواية الإخوة اشكينازي. لم أكن لأحظى بنموذج أفضل من أخي. رأيته كيف كان يكافح مع أهلي ورأيته كيف بدأ يكتب وكيف تطور بشكل بطيء حتى بدأ في النشر. لذلك وبطبيعة الحال فقد كان مؤثراً. ليس هذا فقط، ولكن في السنوات الأخيرة قبل أن أبدأ النشر، قدم لي أخي بعض قواعد الكتابة والتي بدت لي مقدسة. لا أن هذه القواعد لا يمكن كسرها بين الحين والأخر، ولكن من الجيد أن تتذكرها. واحدة من قواعده كانت أنه بينما لا تصير الحقائق بالية أو قديمة أبداً، الشروح تصير. عندما يحاول الكاتب ان يشرح كثيراً، أو يحلل السلوك فهو خارج زمن الكتابة منذ لحظة بدايته. 
تخيل لو أن هوميروس شرح أفعال أبطاله وفقاً للفلسفة الرومانية القديمة، أو الفلسفة في زمانه. لم يكن أحد ليقرأ هوميروس! لحسن الحظ فقد أعطانا هوميروس الصور والحقائق، وبفضل ذلك فالإلياذة والأوديسة حاضرة في ذاكرة عصرنا. وأظن أن هذا ينطبق على كل الكتابة. حالما يبدأ الكاتب شرح دوافع أبطاله من الناحية النفسية، فقد خسر بالفعل. هذا لا يعني أنني ضد الرواية النفسية. هناك بعض الأساتذة الذين فعلوها بالشكل الصحيح. لكنني لا أظنه شيئاً جيداً للكُتاب، بالأخص الكتاب الشباب، تقليد مثل هذا النوع. ديوستوفيسكي كمثال. إذا استطعت القول أنه كاتب من المدرسة النفسية؛ فلا أظن أنني أقدر. كان له استطراداته وقد حاول شرح الأمور بطريقته الخاصة، ولكن حتى بالنسبة له فقد كانت قوته الحقيقية في إعطاء الحقائق .



ما رأيك في التحليل النفسي والكتابة؟ عديد من الكتاب خضعوا للتحليل النفسي وأحسوا ان ذلك ساعدهم على فهم ليس فقط ذواتهم، ولكن حتى الشخصيات التي يكتبون عنها 


إذا خضع الكاتب للتحليل النفسي في عيادة الطبيب، فهذا شأنه الخاص. ولكن إذا حاول وضع التحليل النفسي في الكتابة، فذلك أمر مروع. أفضل مثال لذلك الشخص الذي كتب رواية "نقطة تُحسب نقطة". ماذا كان اسمه؟




ألدوس هيكسلي 

ألدوس هيكسلي. هو يحاول أن يكتب رواية وفق التحليل النفسي الفرويدي. وأظنه فشل بطريقة سيئة. هذه الرواية تحديداً أصبحت الأن قديمة جداً ولا معنى لها وليس ممكناً قرأتها في المدرسة حتى. لذلك أعتقد أنه عندما يجلس الكاتب ويبدأ بتحليل أعماله نفسياً، فإنه يخربها.



لقد أخبرتني من قبل أن أول قطعة تخيلية قرأتها كانت مغامرات شيرلوك هولمز 


حسناً، لقد قرأت هذه الأشياء عندما كنت في العاشرة أو الحادية عشر من عمري، وقد بدت لي سامية جداً، رائعة جداً، لدرجة أنني حتى اليوم لا أجرؤ على قراءة شيرلوك هولمز مرة أخرى لأنني أخشى أن أصاب بخيبة أمل.



هل تعتقد أن كونان دويل أثر بك بأي شكل ؟

حسناً، لا أعتقد أن قصص شيرلوك هولمز كان لها أي تأثير علي. لكنني سأقول شيئاً واحداً- منذ طفولتي وأنا أحب حدة التوتر في القصة. أحب ذلك، القصة يجب أن تكون قصة. يجب أن يكون لها بداية ونهاية، ويجب أن يكون هناك شعور بما سيحدث في نهايتها. أعتمد على هذه القاعدة حتى اليوم. أظن أن سرد القصص أصبح فناً منسياً في زماننا. ولكنني أبذل قصار جهدي كي لا أصاب بهذا النوع من فقدان الذاكرة. بالنسبة لي القصة لا تزال قصة حين يستمع القارئ ويحاول معرفة ما يحدث. إذا عرف القارئ كل شيء من البداية، حتى وأن كان الوصف جيداً، فأعتقد أن القصة لن تصبح قصة.



ما رأيك في حصول صموئيل يوسف عجنون و نيللي زاكس على جائزة نوبل للآداب؟

حول نيلي زاكس، لا أعلم شيئاً، لكن أعرف عجنون. منذ أن بدأت القراءة. أظن أنه كاتب جيد. لن أدعوه بالعبقري، ولكن أين تجد الكثير من العباقرة هذه الأيام؟ إنه كاتب صلب من المدرسة القديمة، المدرسة التي فقدت الكثير في الترجمة. ولكن بقدر ما يصبح الأمر متعلقاً باللغة العبرية، فأسلوبه رائع جداً. كل عمل له يكون مرتبطاً بالتلمود والإنجيل والمدراش. كل ما يكتبه له مستويات عديدة، بالأخص لأولئك الذين يتقنون اللغة العبرية. 

خلال عملية الترجمة، كل هذه المستويات الأخرى تختفي وتبقى فقط الكتابة الصرفة، ولكن هذا جيد أيضاً .



قالت لجنة المسابقة أنها تعطي الجائزة لاثنين من الكتاب اليهود الذين يعكسون صوت إسرائيل. هذا يقودني للتساؤل حول، كيف تُعَرِفُ الكاتب اليهودي مقابل الكاتب الذي صودف أن يكون يهودياً؟

بالنسبة لي هناك فقط كُتاب يكتبون باليديشية، كتاب يكتبون بالعبرية، كتاب يكتبون بالإنجليزية، كتاب يكتبون بالإسبانية. مجمل فكرة الكاتب اليهودي، أو الكاتب الكاثوليكي، هي فكرة غريبة بالنسبة لي. ولكن إذا أجبرتني على الاعتراف بوجود شيء مثل، كاتب يهودي، فسأقول أنه يجب أن يكون رجلاً منغمساً في يهوديته، يعرف اللغة العبرية، اليديشية، التلمود، المدراش، الأدب الحسيدي، الكابالا، وهكذا دواليك. ثم إذا كان بالإضافة إلى ذلك، يكتب عن اليهود والحياة اليهودية، ربما يمكننا حينها أن ندعوه كاتباً يهودياً، أياً كانت اللغة التي يكتب بها. بالطبع يمكننا أيضاً أن ندعوه كاتباً فقط .



تكتب باليديشية، وهي لغة يستطيع قرأتها القليل من الناس اليوم. كتبك تُرجمت إلى ثمانية وخمسون لغة مختلفة، لكنك قلت أنك منزعج من حقيقة أن معظم القراء، الغالبية العظمى من القراء، يتوجب عليهم قراءتك من خلال الترجمة، سواء كانت الترجمة إلى الإنجليزية أو الفرنسية. هناك كُتاب قليلون جداً يستطيعون قراءة كتبك باليديشية، هل تحس أنه تم فقدان الكثير خلال الترجمة؟

تزعجني حقيقة أنني لا أملك العديد من القراء باللغة اليديشية. إنه ليس أمراً جيداً للغة الانحدار إلى الأسفل بدلاً من الصعود لأعلى. أود أن تتفتح اللغة اليديشية وتزدهر تماماً كما يقول اليديشييون أنها تتفتح وتزدهر. ولكن بقدر ما يتعلق الأمر بالترجمة، فبطبيعة الحال كل كاتب يفقد في الترجمة، وخاصة الشعراء والفكاهيون. أيضاً الكُتاب الذين ترتبط كتاباتهم بشكل كبير بالفلكلور فهم يخسرون كثيراً. 

في حالتي الخاصة، أعتقد أنني أخسر الكثير. ولكن بعد ذلك في الآونة الأخيرة ساعدت في ترجمة بعض من أعمالي، وعرفت المشكلة، لذا أحرص على أن لا أخسر كثيراً. المشكلة هي أنه من الصعب جداً العثور على ما يعادل المثالي للغة ما في لغة أخرى. ولكن بعد ذلك، توجد حقيقة أننا جميعاً تعلمنا أدبنا من خلال الترجمة.  معظم الناس درسوا الكتاب المقدس مترجماً، قرأت هوميروس مترجماً، وجميع الكلاسيكيات. 


الترجمة، على الرغم من أنها تلحق ضررا بالمؤلف، لكنها لا تستطيع قتله: إذا كان حقاً جيداً، سوف يبرز حتى في الترجمة. ولقد رأيت ذلك في حالتي الخاصة. أيضاً، الترجمة تساعدني بطريقة ما. لأنني من خلالها أجوب بكتاباتي مراراً وتكراراً وأنا أحرر الترجمة وأعمل مع المترجم، وبينما أفعل هذا أرى كل العيوب في كتاباتي. وقد ساعدتني الترجمة في تجنب المزالق التي قد لا يمكن تجنبها لو أنني كتبت عمل في اليديشية ونشرته ولست مجبراً، بسبب الترجمة، على قراءته مرة أخرى.